من أجل حفنة زفت.. تشييع سياسي أم تشييع لعقول الناس؟

بلدية بعلبك

ثمّة فرق جوهري لا يريد البعض أن يراه أو يتعمّد تجاهله ،بين الانتخابات البلدية والانتخابات النيابية.
الأولى بطبيعتها محلية، خدمية، تنموية، تُعنى بشؤون الناس اليومية (الطريق، الصرف الصحي، النفايات، التخطيط العمراني، والحدائق العامة.

أما الثانية، فصراع مشاريع كبرى، واصطفافات سياسية، وتوازنات إقليمية،لكنّ لائحة السلطة في بعلبك تأبى إلا أن تخلط الأمور خلطًا بهلوانيًا، فتسوّق للانتخابات البلدية كأنها استفتاء دموي على الولاء، لا كشأن بلدي يخصّ أبناء المدينة، وتدير معركتها وكأنها معركة كربلاء أخرى، لا صراع بين لوائح عائلات تطمح إلى تطوير المدينة.

هذا النسيج الاجتماعي المتنوع والعريق، الذي لطالما أثبت حضاريته وانفتاحه سئموا من حال مدينتهم، من طرقاتها المحفّرة

أهل بعلبك، هذا النسيج الاجتماعي المتنوع والعريق، الذي لطالما أثبت حضاريته وانفتاحه سئموا من حال مدينتهم، من طرقاتها المحفّرة، من أحيائها المهملة، من غياب التخطيط، ومن فساد بلدي لا يُحاسَب من حقهم أن يترشحوا،من حقهم أن يحلموا بتغيير،من حقهم أن يثوروا على طبقة محلية اعتادت أن تستمد سلطتها من المركز لا من الشارع، من الولاء لا من الكفاءة.

لكن ما يُحزن ويثير الريبة حقًا هو هذه المقاربة الرخيصة، المستفزّة، بل المهينة لعقول الناس التي تعتمدها اللائحة المدعومة من الحزب،محاولة فاضحة للعب على الوتر العاطفي، عبر ربط الاستحقاق البلدي بمشهد تشييع سماحة السيد حسن نصرالله ،هذه القامة الجهادية الكبرى، هذه الشخصية التي لها في قلوب الشيعة محبة عميقة، واحترام يتجاوز كل الحدود، مهما اختلفنا أو اتفقنا مع مشروعه.

ما يُحزن ويثير الريبة حقًا هو هذه المقاربة الرخيصة، المستفزّة، بل المهينة لعقول الناس التي تعتمدها اللائحة المدعومة من الحزب

هل يُعقل أن تُستعمل دماء السيّد ودموع الناس عليه في بازار انتخابي لتزفيت طريق؟!
هل يليق بمقام السيّد أن يُستحضر فقط ليُقال إذا ما انتخبتونا،بتكونو عم تخدمو نتنياهو وترامب!
أي ابتزاز عاطفي هذا؟! أي تسليع للمقدّس؟!
ألا يخجلون من تحويل سيّدهم إلى أداة لتصغير طموحات الناس؟ أليس من المخجل أن يُقال ضمنيًا لأهالي بعلبك إن لم تنتخبوا لائحتنا فأنتم تخونون السيّد،! أهذه بلدية أم بيعة؟!

ثمّ، بأي منطق تُبنى الحملة على اعتقاد راسخ في بيئة الحزب بأن التعويضات ستنهال بعد الانتخابات وأن الحزب الذي أنهكته الحروب والخسائر سيعوّض مادّيًا بعد الانتخابات؟أي شعب هذا الذي يُفترض به أن يصوّت على أساس وعود غيبية، لا على أساس برنامج خدماتي واضح وشفاف؟!

بعلبك لا تحتاج إلى خطاب دموع،بعلبك تحتاج إلى بلدية تحترم أحلامها،بعلبك تحتاج إلى عقل متوقد، لا إلى تكرار ببغائي لمقولات مركزية،بعلبك بحاجة إلى شوارع نظيفة، لا إلى شعارات مهترئة.

أما سماحة السيد حسن نصرالله، فمكانته في وجدان الطائفة الشيعية أسمى من أن تُختزل في معركة انتخابية، وأرفع من أن تُستغل لتمرير لائحة بلدية،هو رمز للمقاومة والكرامة والصمود في ذاكرة محبّيه لا أداة تُلوّح بها عند كل استحقاق، استخدام اسمه ودمائه ومكانته الوجدانية وسيلة لابتزاز الناس عاطفيًا من أجل جورة أو زفت، هو امتهان لمشاعر جمهور لطالما بذل الأرواح فداءً لهذا المشروع.

فلتَستحوا، ولا تُحقّروا هذا الرمز، ولا تُحقّروا الناس الذين أحبّوه، لأجل مقعد بلدي لا يساوي من قامته عند أبناء بيئته شيئًا.

السابق
برعاية رئيس الحكومة: افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الـ66
التالي
الدور التركي الإقليمي والدولي: مقاربة جديدة