لم يخطىء الرئيس السوري احمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني الهدف ولو لمرة واحدة. في شريط الفيديو القصير الذي أذيع بالأمس، أظهرا معاً مهارة لا بأس بها في لعبة كرة السلة، وتمكنا في تسجيل ستة أهداف متتالية، في الملعب الخاص الذي يبدو انه يتبع للمجمع الرئاسي في دمشق، والمحاط بسياج مرتفع يعزله عما حوله من إضطراب سياسي وأمني تعيشه العاصمة السورية ومعها بقية انحاء سوريا المتمردة أو على الأقل الممتنعة عن التسليم بحكم الرجلين القويين، اللذين ورثا على عجل حكم الطاغية الفار بشار الأسد قبل خمسة أشهر.
الفيديو بحد ذاته هو بلا شك دليل إطمئنان يتمتع به الرئيس الانتقالي ووزير خارجيته الأقرب والأوثق، يتحدى الاحداث السورية المؤلمة التي ليس لها صلة بالرياضة لا من قريب ولا من بعيد، والتي أوحت مرة أخرى ان طريق سوريا الى السلام والاستقرار ما زال طويلاً، وما زال بعيداً جداً عن المصالحة الوطنية الموعودة، التي انتهكتها مجازر الساحل مطلع آذار الماضي، ومواجهات جبل العرب الدرزي التي لا تزال مستمرة حتى اليوم، ولو بشكل متقطع، يوحي بأن “المسألة الدرزية” في سوريا عصية على الاحتواء هذه المرة.
أمام الحالتين العلوية والدرزية، وقبلهما الحالة الكردية المفتوحة هي الأخرى على المجهول، يبدو أن من حق حكام دمشق أن يشعروا بالارتياح الى أن تفويضهم الخارجي لم يتأثر حتى الآن بالمجازر التي ارتكبت بحق الاقليتين العاصيتين، ولم تعبر أي عاصمة عربية أو دولية حتى عن “قلقها” مما يجري في سوريا
في البدء لا مفر من الاعتراف بأن إطمئنان الرجلين ليس مشهداً تمثيلياً مصطنعاً، بل هو واقعي جدا، سواء بالاعتماد على وقائع الأمن التي عمقت في الأسابيع القليلة الماضية الشروخ في المجتمع السوري، أكثر من أي وقت مضى، أو بالنظر الى حقائق السياسة التي أفرزتها تلك الفترة، والتي كانت كلها تصب في مصلحة الحكم الانتقالي المديد لهيئة تحرير الشام وحلفائها الإسلاميين، الذين ما زالوا يحظون برضا عربي ودولي..لا تخرقه سوى دولة إسرائيل التي توجه ضربات عسكرية متلاحقة لمشروع الدولة السورية العتيدة، بحجة حماية جبهتها الشمالية مع سوريا من أي خطر إسلامي محتمل، وبذريعة حماية الأقلية الدرزية التي تشعر هذه الأيام أنها معرضة لخطر وجودي حقيقي.
إقرأ أيضا: بالصور: لبنان ينجو من عملية تفجير ثانية لـ«البيجر» هدفها «الحزب».. هكذا أحبطت تركيا المُخطط!
وهذا الإحساس الدرزي بالخطر ينسحب أيضا على العلويين، الذين إفتعلت مجموعات من معتوهيهم إشتباكات مع السلطات الانتقالية الإسلامية الجديدة في دمشق، أسفرت عن مجازر مروعة بحق نسائهم واطفالهم، وما زالت من دون حساب ولا عقاب، ولا حتى تحقيق جدي، في ذلك العمل الانقلابي الاخرق، الذي لم يقلده الدروز، وهم أصغر الأقليات السورية الباقية، بل إكتفوا، بمطالبة الحكام الإسلاميين الملتزمين بإحياء الشريعة، بدولة مدنية ديموقراطية، هي في معايير هيئة تحرير الشام وشركائها، دولة كفر وزندقة لا أكثر ولا اقل! وبلغ الوهم الدرزي ذروته عندما صدّق بعض الدروز أن إسرائيل يمكن ان تكون حامية لهم، وراعية لحقوقهم الوطنية، أو عندما تقدموا بمطالب سياسية خيالية، مبنية على تاريخهم الوطني وحده.
الصمت المريب، العربي والتركي تحديداً، إزاء ما يجري في سوريا الآن، لا يمكن أن ينسب فقط الى مهل زمنية منحت للسلطة الإسلامية الانتقالية في دمشق، ولا يمكن أن يعزى الى سحب الغطاء عن العلويين والدروز والكرد وغيرهم
وأمام الحالتين العلوية والدرزية، وقبلهما الحالة الكردية المفتوحة هي الأخرى على المجهول، يبدو أن من حق حكام دمشق أن يشعروا بالارتياح الى أن تفويضهم الخارجي لم يتأثر حتى الآن بالمجازر التي ارتكبت بحق الاقليتين العاصيتين، ولم تعبر أي عاصمة عربية أو دولية حتى عن “قلقها” مما يجري في سوريا، أو عن عزمها على البحث بسحب التفويض الممنوح للحكم الإسلامي الانتقالي في سوريا، الذي لم يتمكن حتى الآن من تأسيس بنى انتقالية مقنعة لمختلف السوريين، ومن رسم خريطة طريق واعدة نحو المستقبل، بل فعل العكس تماما، ولم ينجح حتى في الاستجابة لمطلب إرساء العدالة الانتقالية، وهو أهم وأقدس مطالب الاجماع الوطني السوري، والذي من دونه لن يتوقف السير نحو حرب أهلية سورية طاحنة، تتخطى الحرب الاهلية اللبنانية.
الصمت المريب، العربي والتركي تحديداً، إزاء ما يجري في سوريا الآن، لا يمكن أن ينسب فقط الى مهل زمنية منحت للسلطة الإسلامية الانتقالية في دمشق، ولا يمكن أن يعزى الى سحب الغطاء عن العلويين والدروز والكرد وغيرهم.. ثمة فراغ سوري لن تسده القوة، ولن يعوضه تسجيل أهداف رياضية، تقع خارج السياسة.

