أمسيةمحمد حسن الأمين: صوم رمضان.. زمن واعتراض

في احدى امسيات شهر رمضان المبارك، تحدّث العلامة الراحل المفكر الاسلامي السيد محمد حسن الأمين، عن دلالات الزمن والاعتراض في الصوم، وحضر الأمسية حشد من المهتمين والأدباء في”ملتقى الثلاثاء الثقافي” الذي كان يعقد بمنزله في تسعينات القرن الماضي.ومما قاله:
«إن عبادة الصوم موجودة في كل الأديان السماوية، والصوم عبادة رافقت الدعوات السماوية ورسالات الأديان، ما يكشف أن هذه العبادة ليست مرتبطة بمرحلة زمنية معينة، وأنها يجب أن نمارسها في كل المفاصل والمقاطع ومواقع التطور في حياة الإنسان وأن الاتصال مهما نما ومهما تسارع نموه سيبقى في حاجة ليمارس هذه العبادة».

عبادة الصوم هي الصدمة الزمنية التي ترتطم بنا لتذكرنا بالزمن، فما بال هذه الصدمات اليومية، ما بال هذا الصيام لا يحرك فينا عصب الزمن.

رمضان والزمن

وحول دورة الزمن في شهر رمضان يقول السيد رضوان الله عليه «نحن كمسلمين عندما نلاقي شهر رمضان المبارك يدهمنا شعور بالزمن حتى لكان هذا الزمن يسير ويتدرج ويدور دورته دون كثير انتباه، حتى إذا حل شهر رمضان المبارك دهمنا شعور بالزمن وبأن دورة العام التي مرت علينا قبل شهر رمضان تمر سريعة دون إحساس، وإذا فاجأنا شهر رمضان أحسسنا بالزمن، وقضية الزمن لها حيز في العديد من المدارس الفلسفية لكن الحضارة الإسلامية من أكثر الحضارات التي اهتمت بموضوع الزمن، وأحد أهم الأسس التي يرتكز عليها الاهتمام بالزمن نظم العبادات ضمن إيقاع زمني كالصلاة مثلاً، والتفكير في الزمن ليس تفكيراً مترفاً وليس من أجل مصلحة مادية إنما هو أيضاً حاجة روحية ولدى الإنسن المسلم دورة متكاملة على صعيد اليوم والشهر والعام».

اقرأ أيضاً: شهر رمضان في فكر العلامة الراحل الأمين ووجدانه.. «عبادة الإمتناع»

ويستدرك السيد في نصه بالقول «على أن شهر رمضان ذكرنا بقيمة الزمن كقيمة فلسفية وتاريخية وحضارية والاهتمام بالزمن معيار لتقدم الأمم وتخلفها. وما تعانيه أمتنا العربية والإسلامية هو موت الزمن، والحقيقة أن موت الزمن موت للمكان أيضاً، يقول الرسول(ص): “مغبون من تساوى يومه مع أمسه”. يعني هذا أن العلاقة بين مقاطع الزمن يجب أن تكون علاقة نمو ارتفاع وليست علاقة مسطحة، المغبون هنا هو ليس الفرد المسلم، المغبون هو المجتمع والأمة. وإذا أردنا أن نستخلص من واقعنا الراهن مشكلتنا فيرى أنها مع الزمن ومع إدراك الزمن: هل نحن خارج الزمن؟ أو خارج العصر؟ كيف ندخل العصر؟ كيف ندخل الزمن؟ كيف ندخل في إيقاع هذا العصر؟ أسئلة عديدة تدهمنا، وأعتقد أننا لا نقسو على واقعنا إن قلنا أننا خارج العصر أو الزمن، عبادة الصوم هي الصدمة الزمنية التي ترتطم بنا لتذكرنا بالزمن، فما بال هذه الصدمات اليومية، ما بال هذا الصيام لا يحرك فينا عصب الزمن».

العبادات في الإسلام أفعال إيجابية كالصلاة والحج والجهاد والزكاة لأن الإنسان يقوم خلالها بجهد ما، أما الصيام فهو فعل امتناع

ولفت إلى ان «قوانين الحياة الطبيعية تقول بأن الإنسان إذا لم يكن مهيأ لتلقي الصدمة لا يتجاوب معها، فالإنسان المريض إذا فاجأته صدمة فهو غير قادر على التفاعل معها بخلاف الجسم الصحيح، فالجسم عندما يموت لا يعود قادراً على المقاومة والتكيف.والدين بدون إنسان لا يستطيع أن يوجد حضارة ،والإنسان بدون الدين لا يستطيع أن يوجد حضارته».
وخلص بقوله ان «ثمرة شهر رمضان لا تؤتي أكلها في واقعنا السياسي والاجتماعي لأن أحد طرفي المعادلة مريض، الصدمة موجودة لكن الجسد مريض والأمة مريضة، قد يكون هناك حالة تجاوب على صعيد الفرد لكن الأمة مريضة ولذلك لا تتغير بل أن العبادة تمارس بإيقاع روتيني وبشيء من الاسترخاء، عندما يهمد هذا العصب الحيوي أي عصب التحدي يصبح الزمان إيقاعاً روتينياً لا يحركه في اتجاه التغيير أي شيء».

وحدة المسلمين

وأشار السيد الامين ان «هناك قضية أخرى نستوحيها من شهر رمضان المبارك، فإننا نواجه في هذا الشهر إيقاعاً يعيشه ملايين المسلمين ومن هنا ندخل إلى الوحدة، والوحدة مفهوم متعدد الأبعاد، والعبادات في الإسلام هي إحدى الوسائل التربوية لترسيخ مفهوم الوحدة في وجدان الإنسان المسلم. العبادات في الإسلام أفعال إيجابية كالصلاة والحج والجهاد والزكاة لأن الإنسان يقوم خلالها بجهد ما، أما الصيام فهو فعل امتناع.نمتنع عن فعل الأشياء، أنه يتميز عن العبادات الأخرى بأنه عبادة الامتناع ولكن هذه العبادة هي الأكثر خصوبة من العبادات الأخرى، لأن كل جهاد واعتراض يتطلب امتناعاً، الذات تطالبني بالسكوت والهرب».

وأوضح ان «الصيام هذا الامتناع عن الطعام والشراب والجنس لهما في الجوهر معان عدة، والفعل في الحياة وإثبات الوجود يتطلبان منا أن نسمي قدرات الامتناع والاعتراض، ثمة قبول واستجابة ولهات نحو الآخر، نحن في حاجة لأن ينمو فينا عصب الاعتراض أمام النظام العالمي الجديد، الأمة في حاجة إلى جرعة من الامتناع والاعتراض، وإذا مارستها تكون فاعلة في هذا العالم ولكن لأنها ليس لديها القدرة على الامتناع تعيش في حالة سيئة في هذا الواقع».
وفي نهاية حديثه خلص السيد الامين رحمه الله الى القول «كم نحن في حاجة لأن ينمو فينا عصب الاعتراض لأن الإنسان لا يكون حضارياً في عصره إذا لم يكن لديه عصب الامتناع القوي. ولذلك العبادة لا تعود طقساً أو عادة بل إنها تجديد روحي دائم والمطلوب أن يُهيئ نواتنا للتفاعل مع هذا البعد الإلهي».

السابق
«المجلس الشيعي» يتدخّل ويؤكد ان المبلغ المصادر في مطار بيروت عائد له!
التالي
دروز سوريا.. الأطماع الإسرائيلية وخيارات الحكم الانتقالي