الفجوة ما بين الواقع.. وأيديولوجيا الوعد الالهي!

دمار جنوب لبنان


لقد مرت البشرية في عملية التفسير للظواهر الإجتماعية عبر التاريخ الطويل حسب عالم الإجتماع أوغست كونت، من الحالة اللاهوتية التي كانت تفسر الظواهر بنسبتها الى قوى غيبية خارجية كالآلهة والأرواح الشيطانية، الى الحالة الميتافيزيقية حيث كان الإنسان يفسر الظواهر بنسبتها الى معانٍ مجردة أو قوى فلسفية لا يستطيع إثباتها، ثم الى الحالة الوضعية التي أصبح الإنسان يفسر فيها الظواهر نسبة الى القوانيين التي تحكمها أي مرحلة التفكير العقلاني.

الأيديولوجيا هي علم الأفكار وهي مجموعة من الأفكار والمعتقدات والقيم والمشاعر المؤثرة في آرائنا ونظرتنا لما يحيط بنا، فهي تمنع الإنسان من رؤية الواقع بصورته الحقيقية، لا بل تعمل على تزييفه، وخاصة إذا ما استخدمت فيها العقائد الدينية التي يجب التمسك بها وعدم تغييرها، وتؤثر على السلوك الإنساني الذي يأتي مطابقاً لها.

قام رئيس الحكومة يوم الجمعة في 28 شباط بجولة في جنوب لبنان للإطلاع ميدانياً على الدمار الذي قام به العدو الإسرائيلي بالإضافة الى التقارير التي وصلته، وأكد خلالها رفضه لإحتلال اسرائيل للنقاط الحدودية التي لم تنسحب منها بعد، والتزامه بإعادة الإعمار وعودة الأهالي الى قراهم بكرامة.

ايديولوجيا الوعد الالهي

قام عدداً من الأهالي بالتحدث معه خلال زيارته، أظهرت حرقتهم وإصرارهم على العودة الى قراهم ومنازلهم وأراضيهم الزراعية المدمرة، وهذا من حقهم. وقد رفع بعضهم الصوت عندما تحدث الى رئيس الحكومة سائلاً إياه إن كانت الدبلوماسية سوف تعيد الأرض المحتلة، ومشيداً بتضحيات المقاومة التي منعت العدو من التقدم أكثر داخل الأراضي اللبنانية، ومطالبين الدولة بالإسراع بإعادة الإعمار وتحرير الأرض ومحملينها المسؤولية عن ذلك ومُفضلين عليها ببعض الوقت، وإلاّ فالمقاومة جاهزة لإستئناف عملها بما تراه مناسباً.

خضع بعض اللبنانيين الى أفكار أيديولوجيا بأنهم يستطيعون التغلب على اسرائيل وتحرير فلسطين والصلاة في القدس باعتبار أن هذا وعدٌ إلهي غير قابل للنقاش

الشيء الجيد الذي بقي في ذاكرة المواطنين هو أن الدبلوماسية لم تستطع تحرير جنوب لبنان بموجب القرار 425 الذي إتخذته الأمم المتحدة عام 1978 الى أن إنسحبت قوات الإحتلال في العام 2000 بسبب عمليات المقاومة بعد إجتياح 1982 الذي وصل الى بيروت. وقد غاب عن بال هؤلاء المواطنين:

أولاً: هذه المدة الزمنية التي استغرقتها المقاومة لتحرير الأرض.
وثانياً: أن الدولة لم تتخذ قرار الحرب ولم تخطط لها ولم تُقدّر كلفتها.

وثالثاً: أن هذه الدولة قد ورثت هذا الحمل المستحيل، الذي تسببت به الحرب التي قامت لمساندة غزة.
ورابعاً: أن لبنان بوضعه الإقتصادي المتردي ونسبة الفقر والبطالة هو غير قادر على خوض الحرب.
وخامساً: العزلة والمقاطعة التي كان يعيشها لبنان على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وسادساً: عدم قدرة القوات المسلحة اللبنانية على خوض الحرب مع الجيش الإسرائيلي.
وسابعاً: أن هذه النتيجة هي بسبب الحرب كسابقاتها عبر تاريخ الصراع مع اسرائيل.

ولا نريد أن نزيد في تفنيد ما غاب عن بال هؤلاء المواطنيين، الذين تعوّدوا على الاستماع الى جهة سياسية دينية واحدة، كانت تزودهم بكل هذه الأفكار التي كانت تقول أن اسرائيل الى زوال في المستقبل القريب ولن يتجاوز عمرها ثمانين عاماً، بناء على أساطير دينية وتاريخية، وأن اليهود منقسمين على بعضهم البعض وأن الحرب الأهلية على وشك الوقوع فيما بينهم، فشكّلت كل هذه الأفكار أيديولوجيا لديهم بأنهم يستطيعون التغلب على اسرائيل وتحرير فلسطين والصلاة في القدس، واعتبروا أن هذا وعدٌ إلهي غير قابل للنقاش، ورفضوا أي فكر يخالف هذا الإعتقاد.

الواقعية الاسرائيلية

فيما توجهت أفكارهم نحو هذه الأيديولوجيا، كان الجيش الإسرائيلي يقوم بدراسة العبر من حرب 2006 ويجمع المعلومات ويجنّد الجواسيس لمعرفة كل شيء عن المقاومة من عناصر بشرية وأسلحة ومخازن وطرق القتال واللوجستية والدعم المادي والمالي، وينسق مع حلفائه لحشد التأييد الدولي لمده بالأسلحة والذخائر والدعم الدبلوماسي، وقام باستخدام التكنولوجيا على نطاق واسع وخاصة الذكاء الإصطناعي في العمليات العسكرية. بينما كانت الأماني والتمنيات والدعاء والعقائد الدينية تكبر في الجانب الآخر، على أمل أن تتدخل قوى إلهية تسدد ضربات المجاهدين للقضاء على العدو.

الفجوة بين الأيديولوجيا التي منعت أصحابها من تقدير الموقف بشكل علمي سليم، وبين التكنولوجيا التي إعتمدت العلم لدراسة الواقع هي التي أدت الى هذه النتيجة للحرب

كانت الحرب تدور بين جيلين من التكنولوجيا، جيل كان على تطور مستمر باستخدام أخر ما توصلت له التكنولوجيا الناتجة عن علمٍ، كما تحدث عنه أوغست كونت في المرحلة الوضعية لكون الحرب ظاهرة إجتماعية. وجيل أخر كانت الأفكار اللاهوتية والميتافيزيقة تأخذ أكثر وقته، مع إهتمامه ببعض الجوانب التكنولوجية والبقاء على إعتماده اساليب القتال الكلاسيكية التي ينتظر فيها المواجهة من رجل الى رجل.

هذه الفجوة بين الأيديولوجيا التي منعت أصحابها من تقدير الموقف بشكل علمي سليم، وبين التكنولوجيا التي إعتمدت العلم لدراسة الواقع، هي التي أدت الى هذه النتيجة للحرب. فهل من يُقنع هذا المواطن المسكين المشبع بهذه الأفكار، بالتطورات والتغيرات التي حصلت، وأن لا يصبّ جام غضبه على رئيس حكومة لم يعقد أول جلسة لمجلس الوزراء بعد؟

السابق
بعد انتشار وثيقة تحذر من انتقاد إسرائيل.. الحكومة السورية توضح!
التالي
الجيش يفقد أحد عناصره في القبيات