لطالما رفع حزب الله شعارات المقاومة وحماية لبنان، مقدِّمًا نفسه كمدافع عن حقوق الطائفة الشيعية، ومحرِّر لها من الحرمان (الحرمان في لبنان ناتج عن التهميش والإهمال الذي طال جميع المناطق الحدودية بمختلف طوائفها) ولكن مع مرور الزمن، تكشفت حقائق كثيرة تُظهر أن العلاقة بين الحزب وبيئته لم تكن قائمة فقط على الأيديولوجيا والعقيدة، بل كانت ممسوكة بمفاتيح التمويل والمال والسيطرة الاقتصادية.
الحزب الذي كان يُهيمن على مناطقه، بات اليوم يطالب الدولة بأن تتولى إعادة الإعمار، متجاهلا انه استجلب العدوان بقراره حرب الإسناد والمشاغلة، ومتناسياً أنه كان يعطل الدولة عبر هيمنته على قرارها السيادي
منذ عقود، أنشأ حزب الله منظومة مالية لدويلته، تضمنت مؤسسات خدماتية وتجارية، إضافةً إلى شبكات التهريب، والتهرب الجمركي والضريبي، ولا تنتهي باستباحة الحدود وتبييض الأموال، وكلها وسائل لضمان ولاء قاعدته الشعبية وإبقاء النفوذ الإيراني متجذرًا في لبنان. بهذه السياسة، أراد الحزب أن يُلغي “فكرة الحرمان” لدى بيئته، ليجعل منها مجتمعًا تابعًا بالكامل لسلطته، وليس شريكًا في بناء الدولة اللبنانية. ودارت الأيام، وكشفت أن الشعار الذي رفعه الحزب، “نحمي ونبني”، كان مجرد سراب. فبدلًا من الحماية، تعرض لبنان لمغامرات عسكرية مكلفة جعلته يدفع أثمانًا باهظة، وأما البناء، فقد تحول إلى دمار اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي.
إقرأ أيضا: «الحزب» بين احداث المطار والطائرة الايرانية..والمعارضة الشيعية!
واليوم، وبعد سنوات من التبعية المالية للحزب، يجد جمهوره نفسه أمام واقع جديد، وقد أقفلت بوجهه جميع المعابر الشرعية والغير شرعية، وتراجع التمويل الإيراني، وانهار الاقتصاد، وظهرت أزمة دفعت بالكثيرين إلى التساؤل: هل كان كل ذلك يستحق؟
منذ عقود، أنشأ حزب الله منظومة مالية لدويلته، تضمنت مؤسسات خدماتية وتجارية، إضافةً إلى شبكات التهريب، والتهرب الجمركي والضريبي، ولا تنتهي باستباحة الحدود وتبييض الأموال
والأدهى من ذلك، أن الحزب الذي كان يُهيمن على مناطقه، بات اليوم يطالب الدولة بأن تتولى إعادة الإعمار، متجاهلا انه استجلب العدوان بقراره حرب الإسناد والمشاغلة، ومتناسياً أنه كان يعطل الدولة عبر هيمنته على قرارها السيادي.
إقرأ أيضا: الحكومة في مجلس النواب اليوم لنيل الثقة: 75 نائب طلبوا الكلام!
فكيف يُمكن للدولة أن تتولى الإعمار بينما لا تزال السيادة اللبنانية منقوصة، وسلاح الحزب، إلى جانب السلاح الفلسطيني خارج سلطة الدولة، يفرض وقائع أمنية وعسكرية تتجاوز صلاحيات المؤسسات الرسمية؟ لا يمكن للبنان أن ينهض مجددًا قبل أن تُبسط سلطة الجيش على كامل أراضيه، ويُمسك بالمعابر الحدودية البرية والجوية والبحرية، ويُسلم كل سلاح غير شرعي إلى الدولة. فإعادة الإعمار ليست مجرد مسألة مالية أو هندسية، بل هي في صلبها قرار سيادي. واللبنانيون الذين عانوا من الدمار والخراب لا يمكن أن يقبلوا مجددًا بسياسات الأمر الواقع التي تعيد إنتاج الأزمات نفسها.
الشرط الاساسي للانقاذ هو قيام دولة قوامها ثلاثية فولاذية من الجيش حامي الوطن والسيادة، والقضاء
من هنا، لا يمكن أن تُعيد الدولة بناء ما تهدّم، بينما لا تزال هناك دويلة داخل الدولة، وقوى تتصرف وكأنها فوق المحاسبة. فالتاريخ علّمنا أن أي تسوية مؤقتة تبقي السلاح خارج سلطة الدولة، لن تؤدي إلا إلى جولات جديدة من الدمار والانهيار. وبالتالي ان الشرط الاساسي للانقاذ هو قيام دولة قوامها ثلاثية فولاذية من الجيش حامي الوطن والسيادة، والقضاء ضمان العدالة والقانون، والإدارة اداة الإصلاح والمؤسسات.

