المراجعات في البيئة الشيعية مزدهرة هذه الأيام. في الحديث السائد أن الشيعة تحمّلوا فوق طاقتهم في الصراع مع العدو الإسرائيلي؛ وقفوا مع غزة، ودفعوا أثمانا لا توصف، فيما الآخرون، بما في ذلك حلفاء الحزب، دولا وأحزابا، لم يقدموا غير الكلام.
انتهت الحرب، على ما انتهت إليه. المكابرون قبل غيرهم يتحدثون عن حجم الخسائر المهول. يعتبرون البقاء انتصارا، لأن ما أصاب الحزب، كان “سيؤدي لانهيار حتمي لو أصاب أياً من جيوش العالم”.
يدخل تقييم الدور الإيراني، بين حدين؛ التخاذل (إيران باعتنا.. المشروع النووي هو الأهم) والضعف (غير قادرة على فعل ما هو أكثر)، لكن الجميع متفق أن الذي دفع الثمن هو الشيعة في لبنان
حال المناطق ذات الغالبية الشيعية والدمار التي أصابها، يثقل على عاتق الحزب، سيما أن أفق إعادة الإعمار غير واضح، خلافا للعام 2006.. التململ واضح، وما يجري في الجنوب يزيد الحسرة، لأن الإسرائيلي يعمل على راحته؛ تفجيرا وتجريفا واستهدافا للناس في المناطق التي يحتلها، وليس ثمة من يردعه.
إقرأ أيضا: «الحزب» يناور رئاسياً وعسكرياً..وأميركا «تنفتح» على «إدارة» الشرع الموقتة!
السردية لا تنتهي هنا؛ ثمة حسرة إضافية على آلاف الشباب الذين “استشهدوا” في سوريا. هؤلاء قاتلوا إلى جانب النظام، لكن الغاية -وفق التبرير السائد اليوم- أنهم كانوا “يحفظون ظهر المقاومة”، ولم يكونوا يدافعون عن بشار الأسد. في زمن مضى لم يكن هذا التبرير مهماً؛ حماية المقاومة، وحماية المراقد، وقتال التكفيريين، والوفاء للنظام.. كلها أهداف كانت متساوية ومعلنة.. لكن بعد سقوط النظام وانكشاف ظلمه وفساده وعمالته، انحصر مبرر القتال؛ بالمقاومة.
انفلاش الحزب في سوريا، وتنسيقه مع مخابرات النظام السوري المخترقة إسرائيليا؛ كان أحد أهم أسباب الانجازات الأمنية الهائلة التي حققتها “إسرائيل” في الحرب الأخيرة
هذا التبرير نفسه يثير إشكالية الهزيمة التي لا يرغب مناصرو الحزب الاعتراف بها، للدرجة التي دفعت أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم، للوقوع في توصيفات تفتح الجدليات ولا تقفلها؛ فإذا كان خط إمداد المقاومة “تفصيل صغير”، وفق ما جاء في آخر خطاباته (14-12-2024)، وإذا كانت مبررات القتال الأخرى قد سقطت؛ فلماذا كان استجرار العداء مع السوريين وقسم كبير من اللبنانيين، وتقديم آلاف المقاتلين قرابين من أجل نظام؛ لم يحسن تنظيم شيء؛ بما في ذلك الدفاع عن نفسه؟
أسئلة كثيرة مطروحة؛ لا التكفيريون ظهروا كما كان يُروّج لهم، ولا المراقد تهددت، ولا المستودعات والمصانع صمدت.. وطبعا “لم تسب زينب مرتين”.. وعلى العكس فإن الذي ظهر –كما لم يحدث من قبل- بشاعة نظام لا يمكن لفئة أو حزب أن تدافع عنه.. لكن الوقائع تقول إن الحزب قاتل إلى جانب هذا النظام، وارتبط بأفعاله، -بما فيها تجارة الكبتاغون-، وقد كانت قيادات الحزب، فضلا عن الناطقين باسمه، يؤيدون هذا النظام إلى لحظة سقوطه.. وتلك إشكالية أخلاقية لا تقل عن الإشكاليات الأخرى.
أسئلة كثيرة مطروحة؛ لا التكفيريون ظهروا كما كان يُروّج لهم، ولا المراقد تهددت، ولا المستودعات والمصانع صمدت.. وطبعا “لم تسب زينب مرتين”
لا يغيب عن البال، في هذا المجال، أن انفلاش الحزب في سوريا، وتنسيقه مع مخابرات النظام السوري المخترقة إسرائيليا؛ كان أحد أهم أسباب الانجازات الأمنية الهائلة التي حققتها “إسرائيل” في الحرب الأخيرة، وهذا ثمن إضافي وكبير دفعه الحزب والشيعة؛ ثم كانت النتيجة زوال كل شيء.
في المرويات السائدة؛ أن الحزب بقي إلى اليوم الأخير مقاتلا في سوريا، لكنه في اليوم الذي سبق الهروب؛ أخذ قراره بالانسحاب، وطلب من “إدارة العمليات العسكرية”، تأمين ممر آمن من حمص والقصير، بعدما تأكد أن جيش النظام تلاشى وأن الصمود مستحيل.
إقرأ أيضا: «الإنتربول» الأميركي يطالب بيروت بتوقيف مدير المخابرات الجوية في نظام الأسد
في جانب آخر من النقاشات؛ يدخل تقييم الدور الإيراني، بين حدين؛ التخاذل (إيران باعتنا.. المشروع النووي هو الأهم) والضعف (غير قادرة على فعل ما هو أكثر)، لكن الجميع متفق أن الذي دفع الثمن هو الشيعة في لبنان، وأن إيران تأقلمت مع الواقع الجديد، وأعادت فتح سفارتها في دمشق، وهي تنسق مع الأتراك لحفظ مصالحها المتبقية.
حال المناطق ذات الغالبية الشيعية والدمار التي أصابها، يثقل على عاتق الحزب، سيما أن أفق إعادة الإعمار غير واضح، خلافا للعام 2006
لا يقتصر الأمر عند هذا الحد. الاحتفالات بسقوط بشار الأسد؛ أثارت نقاشاً حول سوء تقدير الشعور الحقيقي للسوريين – في الداخل والخارج- تجاه نظام بلدهم، وتالياً كساد المنتجات الإعلامية التي كانت تروّج لشعبية بشار، و”عمالة” وضآلة الثائرين عليه. ويزيد الطينة بلة؛ رؤية الفلسطينيين في غزة –والشتات- وهم يحتفلون بسقوط النظام السوري. “الغزيون فضلوا الجولاني علينا بعد كل الذي قدمناه”، و”السنة في لبنان عادوا إلى المحور المعادي للمقاومة”.. ومثل ذلك، كثير من الأحاديث المنفلتة من عقال النظريات والأقاويل الخشبية، التي كانت سائدة.

