القادة الجدد في سوريا – أو على الأقل المعني الرئيسي – يدركون تمامًا هذا التحدي. فمتطلبات السلطة، بمجرد “الاستيلاء” عليها، تختلف جذريًا عن شعارات الثورة. إدارة سوريا بكل حساسياتها وتنوعها، لا يمكن مقارنتها بإدارة محافظة واحدة. فالقيادة ليست في اللباس – سواء كان قميصًا، بزة عسكرية، أو بدلة رسمية. ومن الواضح أن السوريين لم يقدموا هذا الكم من التضحيات، ولم يسقطوا أصنام الفساد وبشاعة النازية البعثية، ليستبدلوها ب”طغاة جدد”.
إقرأ أيضا: لفهم ما يحدث هناك.. وزير الطاقة الإسرائيلي: سنبقى في سوريا لأشهر طويلة
المهمة التي أخذها النظام الجديد على عاتقه، بإعادة الديمقراطية وبناء دولة القانون فوق “جمهورية-مقبرة” ليست سهلة أبدًا. نحن في لبنان ندرك جيدًا مدى تعقيد إدارة التعددية، وهشاشة الوحدة في المجتمعات المتنوعة، وكيف تصبح هذه النماذج فريسة سهلة للطامعين والمرتهنين، أو لأهواء الجيران المهووسين بالإمبراطورية والأيديولوجيات الطائفية.
أما اللبنانيون، فمن الأفضل لهم أن يبدأوا بتنظيف بيتهم الداخلي، قبل أن ينشغلوا بمصير الآخرين
العيش المشترك عمل دقيق أشبه بصياغة الذهب. لا يمكن أن يتحقق في القرن الحادي والعشرين، تحت هيمنة كتاب واحد، مهما بلغت أهميته أو قيمته أو “قداسته”. وحدها المعايير الدستورية والإدارية واحترام حقوق الإنسان، وخصوصاً المرأة، والحريات العامة والخاصة، في ظل دولة مدنية قادرة على إدارة التنوع بأقصى درجات المرونة، بعيدًا عن نزعات الهيمنة والصراعات بين المكونات، يمكن أن تمنع الانزلاق نحو العنف.
هذا كله، ومع الحيوية والديناميكية والإرادة التي أظهرتها الثورة السورية، يبدو أن المجتمع السوري قادر تمامًا على تحقيقه. ولكن بشرط أن يضع النظام الجديد نفسه كضامن، ومؤسس للنظام الجديد، لا كوصي، لا في الساحة السياسية، ولا على المستوى الاجتماعي والثقافي.
الشعب السوري سيسلك طريقه. لقد دفع ثمنًا باهظًا لحريته ولن يعود إلى الوراء
شرعية ثورية مسلحة تقلب نظامًا دمويًا بعد قمع غير مسبوق، وحرب استمرت لأكثر من عقد، في بلد يتجاوز عدد سكانه العشرين مليونًا ومساحته 185 ألف كيلومتر مربع، دون اللجوء إلى أعمال انتقامية، ليست بالأمر العادي.
شعب ينهض، رغم كل الصدمات والمخاوف، بإرادة مذهلة لتضميد جراحه، والاحتفال جماعيًا بسقوط الديكتاتورية، هو مشهد نادر للغاية، خاصة في مجتمع متنوع كسوريا.
إقرأ أيضا: نتانياهو «يُعزّز» إحتلاله ومستوطنيه للجولان والجنوب..ودمشق الجديدة «تنفتح» على العالم!
الشعب السوري سيسلك طريقه. لقد دفع ثمنًا باهظًا لحريته ولن يعود إلى الوراء. أو على الأقل، من المنطقي الرهان على أن تجارب الماضي، كانت مريرة بما يكفي لمنع تكرارها. يجب منح سوريا الجديدة الوقت لتخرج من تحت أنقاضها، ولتتحرر من العقدة الطاغية البعثية، على المستويين الفردي والجماعي، وتدفن موتاها بسلام، وتحدد مستقبلها بنفسها، مع استعادة ثقافة الحوار واحترام التنوع والخصوصيات، وفق آليات القانون والديمقراطية.
أما اللبنانيون، فمن الأفضل لهم أن يبدأوا بتنظيف بيتهم الداخلي، قبل أن ينشغلوا بمصير الآخرين، حتى وإن كان مصير سوريا لديه أهمية استراتيجية بالنسبة للبنان، خاصة وأن النظام التوتاليتاري الذي لطالما قسم المجتمعات اللبنانية، واغتال النخب وأسر المواطنين.. قد سقط.
يجب منح سوريا الجديدة الوقت لتخرج من تحت أنقاضها، ولتتحرر من العقدة الطاغية البعثية
تنظيف “إسطبلات أوجياس” اللبنانية بات أكثر ضرورة من أي وقت مضى. ولسبب وجيه: لبنان أصبح آخر معقل للبعث السوري، وقد يتحول قريبًا إلى الملاذ الأخير للحرس الثوري الإيراني!
حتى إذا توقف عن كونه كذلك، سيحتاج إلى جهد جبار لتحرير الطبقة السياسية من عبودية الخارج، وإعادة بناء الخطاب السياسي على أسس جديدة، وشرعيات لا تستند إلى الحروب أو عقود الاحتلال، وتطبيق الدستور، وإعادة تأسيس المؤسسات على قواعد سليمة، ووضع أسس ثقافة السلام، ورفض العنف والإفلات من العقاب، ذلك دون إغفال أحد الشروط الأساسية للاستقرار: حياد لبنان.
فالخير يبدأ من الذات!

