لم يسبق لسلسلةِ مواعيد أن حُشرت في أول شهرٍ من روزنامةِ سنةٍ تستعدّ لأن تطلّ بـ «رأسها» محمَّلةً بتحولاتٍ تاريخية لم تشهدْها المنطقةُ والعالمُ في أسابيع «جهنّمية» تمزّقتْ معها خرائط نفوذٍ وتَحطّمت جدرانُ «ممانَعة» حتى بات الجميع في انتظار اكتمال «الولادة من الخاصرة» لنظام إقليمي جديد على أنقاض متغيراتٍ مازالت تتدحرج مُنْذِرةً بما هو أدهى من تقزيم وضعية «حزب الله» في لبنان وتسديد ضربة قاصمة للمحور الإيراني بإخراج سورية من مَداره واجتثاث «حُكْمِ الأسدين» منها.
وليس مُفاجئاً أن يكون لبنان في صلْب هذه المواعيد… من دخولِ دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير، وهي المحطة التي صارت «زَمَناً سياسياً» يَنضبط العالم كله تحت سقفه، إلى انقضاءِ مهلة الـ 60 يوماً التي نصّ عليها اتفاق وقف النار بين لبنان وإسرائيل (بدأ سريانه في 27 نوفمبر)، مروراً بجلسة 9 يناير لانتخابِ رئيسٍ للجمهورية «المقطوعة الرأس» منذ الأول من نوفمبر 2022.
وفي حين بات «وَهْجُ» عودة ترامب لقيادة الولايات المتحدة يَحْكُم مختلف المسارات في المنطقة التي استيقظت «براكينها» تباعاً، سواء في اتجاه التعجيل في حلولٍ تفادياً لـ «جحيم» توعَّد به الرئيس المنتخب، كما بالنسبة إلى حرب غزة، أو ربما نحو استعجالِ ضرْب «رأس الأخطبوط» (أي إيران) بعد تحييد أذرعها، وذلك كي يكون ما بعد 20 يناير باباً لترتيب أوراق «الشرق الأوسط الجديد»، فإنّ «المرحلة التجريبية» من وقف النار في لبنان التي انقضى معها حتى الآن 20 يوماً تبدو حَبْلى بغموضٍ يصعب معه تحديد ما بعدها خصوصاً لجهة هل سيستمرّ «حزب الله» في «تَرْخية الحبل» وامتصاص الضربات التي مازالت إسرائيل توجّهها في جنوب الليطاني وشماله لتفويت الفرصة على «التنين الهائج» الإسرائيلي لحرْق ما تبقى من وضعيةٍ عسكرية له، أم سيترجم تفسيرَه للاتفاق على أنه محصورٌ بجنوب الليطاني بردّاتِ فعلٍ «مهما كان الثمن»؟
يسود اقتناعٌ بأن الأيام الـ 40 الفاصلة عن انتهاء هدنة الـ 60 يوماً ويفترض أن يكون خلالها الجيش اللبناني أكمل انتشاره مازالت مفتوحةً على تطوراتٍ قد تقلب الصورةَ في المنطقة رأساً
ويسود اقتناعٌ بأن الأيام الـ 40 الفاصلة عن انتهاء هدنة الـ 60 يوماً (يفترض أن يكون خلالها الجيش اللبناني أكمل انتشاره جنوب الليطاني وحزب الله انسحب من هذه المنطقة مع تفكيك بنيته العسكرية فيها) مازالت مفتوحةً على تطوراتٍ قد تقلب الصورةَ في المنطقة رأساً على عقب خصوصاً بحال تجرأ بنيامين نتنياهو على ضرب إيران، مع ما لذلك من تداعياتٍ تلقائية على الوضع في «بلاد الأرز» وحسابات «حزب الله» الذي بات «مكشوفَ الظهر» مع سقوط الأسد وفاقداً للوزن العسكري الإستراتيجي في ضوء الأضرار الكبيرة التي ألحقتْها به تل أبيب منذ سبتمبر، ما يعني أن أي خطوةٍ سيقدم عليها تبقى رهناً بما ستؤول إليه «المواجهة» الإسرائيلية – الإيرانية.
الرقم 13
وفي رأي أوساط سياسية مطلعة، أن 9 يناير الذي حدّده رئيس البرلمان نبيه بري لجلسةٍ ستحمل الرقم 13 في مسلسل الجلسات التي انقطع عن الدعوة اليها منذ يونيو 2023، أصبح موعداً يَحْشر الجميعَ بطريقة أو أخرى، خصوصاً لجهة صعوبة أن يتحمّل أي فريقٍ مسؤولية تعطيل النصاب أو تطييره بعد دورة الاقتراع الأولى، وسط معلوماتٍ تفيد بأنه لغاية اليوم لم يتم التوافق على اسمٍ تتقاطع عليه الأطراف المحلية ويؤمّن الأكثرية المطلوبة وفي الوقت نفسه يكون قابلاً للتسويق دولياً، وهو الشرط الرئيسي ليكون الانتخاب فرصةً للبنان للخروج من نكباته المتلاحقة «لمرة واحدة وأخيرة».
إقرأ أيضاً: مهرب مخدرات بقبضة الجيش عند حاجز رأس المال-الهرمل!
وفي قراءةٍ لأوساط عليمة أن عواصمَ الثِقل الدولية ولا سيما واشنطن، تَعتبر أن «الرئيس أهمّ من الرئاسة» بمعنى أن هوية مَن سيتولى الكرسي الأولى جوهريةٌ باعتبار أنها ستعبّر عن «لبنان الجديد» وتحدّد كيف سيتعاطى الخارج مع «بلاد الأرز» انطلاقاً من مدى التزامها ببناء دولة فعلية ومؤسساتٍ فاعلة وتطبيق مضامين اتفاق وقف النار ببنوده كافة وروحيته في ما خص إنهاء وضعية الحزب خارج الدولة في جنوب الليطاني وشماله وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة.
بحال لم تَشهد الفترة الفاصلة عن 9 يناير توافقاً على اسمٍ بمعايير «لبنان الجديد» فإن «بقايا الممانعة» ومتقاطعين معهم قد يَعمدون إلى تطيير النصاب
وفي حين تؤكد الأوساط «أننا في مرحلة دولية بامتياز وأيُّ رئيسٍ للبنان يتم استيلاده محلياً لابدّ أن تكون له رافعة خارجية وإلا ضاعت الفرصةُ الأخيرةُ لانتشال البلاد من القعر السحيق»، تشير إلى أن الاتصالات التي تجري داخلياً حتى الساعة لم تعبّر عن جدية في الوصول إلى اسمٍ بمواصفات المرحلة الجديدة، معتبرة «أن ثمة مَن لايزال يتعاطى مع الأمر وكأن حزب الله هو نفسه ما قبل الضربات المؤلمة التي تلقّاها أو كأن النظام السوري لم يَسقط»، لافتة إلى «أن الأسماء التي تُطرح من هنا وهناك ليست جديةً ولا تعكس إدراكاً لعمق التحولات في المنطقة ولا للمدى الأبعد الذي يمكن أن تبلغه لاحقاً».
وتعرب الأوساط عن الخشية من أنه بحال لم تَشهد الفترة الفاصلة عن 9 يناير توافقاً على اسمٍ بمعايير «لبنان الجديد»، فإن مَن أسمتْهم «بقايا الممانعة» ومتقاطعين معهم «قد يَعمدون إلى تطيير النصاب، لأنهم يدركون تماماً أنه في الدورة الثانية (تحتاج إلى 65 صوتاً) فإن قائد الجيش العماد جوزف عون سيكون رئيساً، وهو ما يرفضونه»، ومن دون أن تستبعد أن تكون «الأمتار الأخيرة» من الاتصالات عشية جلسة الانتخاب ولّادة مفاجآت من النوع الذي يسمح بتصاعُد «الدخان الأبيض».

