ماذا يريد رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو لدولة اسرائيل، وكيف يمكنه تحقيق ذلك؟
قد يكون الهدف الأبعد لنتنياهو، وهو لن يستطيع تحقيقه، هو فلسطين من دون فلسطينيين، أي الترانسفير، فهذا برأيه هو حق إلهي “توراتي” للشعب اليهودي.
نتنياهو لا يريد لا حل الدولتين ولا الاعتراف للفلسطينييين بأي حق آخر
نتنياهو لا يريد لا حل الدولتين ولا الاعتراف للفلسطينييين بأي حق آخر، وبالتأكيد فإن كثيرين من قادة اسرائيل، سيكملون بهذا الهدف وهذا الاتجاه، خاصة بعد القانون الذي تمّ التصويت عليه في الكنيست الاسرائيلي مؤخراً في 18 تموز/يوليو الماضي، ضد إنشاء دولة فلسطينية.
خفايا “الرحلة” العسكرية
في الحرب، يسعى نتنياهو الى إعادة الهيبة الى الجيش الاسرائيلي، لتعود صورة الجيش الذي لا يقهر، وهو يريد تبديد صورة 7 أكتوبر بتحقيق انتصار عسكري، أو أمني بطعم عسكري.
وهو يسعى في غزة الى اغتيال يحيى السنوار والى استعادة الرهائن. هؤلاء الرهائن هم نقطة ضعفه في المعركة، وإن كان يفضل الاستمرار في المعارك على عودتهم أحياء، واحتلال كامل لرفح هو على نار “مفرملة” بسبب الكثافة السكانية، التي يمكن أن تتسبب بفاتورة بشرية كارثية مضاعفة، لما هي عليه حالياً على الأقل.
كما يسعى نتنياهو الى فرض حكم على غزة في “اليوم التالي” غير فلسطيني، عربي خليجي على الأرجح، بإشراف اسرائيلي. لذلك، هو لا يوافق على أي نوع من أنواع التفاوض، الذي يتطلب منه “وقف دائم لإطلاق النار” أو “انسحاب كامل من غزة”.
ويسعى في الضفة، للسيطرة عليها “عسكرياً” بالكامل، لمنع إمكانية قيام أي انتفاضة “مسلحة”، وتكريس أمن الضفة الداخلي بيد الجيش الاسرائيلي، بانتظار ترحيل أهلها شيئاً فشيئاً.
وهو يحول الضفة الى سجن كبير. وينقل قادتها الى سجونه، وقد أصبحت هذه السجون تكتظ بحوالى 10.000 سجين، بعدما كانوا حوالى 1.500 سجين في مطلع الحرب.
ويسعى في لبنان، الى استمرار الحرب الجارية، والى استمرار “اصطياد” قيادات “حزب الله” بالاغتيال الموجه تكنولوجياً، المدعوم من خرق الموساد لأمن الحزب.
والأهم أنه يسعى الى حرب شاملة، لإعادة سكان الشمال الاسرائيلي الى “مناطقهم وقراهم”، خاصة وأنهم يضغطون عليه كثيراً. ويصرِّحون أنهم لن يعودوا طالما هناك مخاطر من حزب الله تجاههم.
ويسعى في إيران، الى ضرب المفاعل النووي، عاجلاً أم آجلاً، مع حرب إقليمية أو من دونها. كما يسعى ل “توريط” الأميركيين في هذه الحرب الإقليمية، بعد انتخاب الرئيس الأميركي المقبل. أي بعد 5 نوفمبر.
ويأمل نتنياهو أن يفوز بالانتخابات الرئاسية الأميركية “صديقه” دونالد ترامب ليتعاونا معاً في إعادة رسم المنطقة.
ويأمل نتنياهو أن يفوز بالانتخابات الرئاسية الأميركية “صديقه” دونالد ترامب
كما يسعى للرد الموضعي على أذرع إيران الحوثية في اليمن، و”الميليشياوية” في العراق. نتنياهو لم يكن راضٍ على الرئيس جو بايدن ولا على إدارته، وذلك، على الرغم من حصوله منها على كل المساعدات الممكنة (وعلى 26 مليار دولار بعد الرد الإيراني بدلاً من ال 14 مليار التي لم يكن يحصل عليها قبل الرد). وذلك، بسبب خلافهم على الأجندة، وبسبب محاولة بايدن وإدارته عدم تلوين إدارته بكل الدماء، التي يتسبب بها نتنياهو في غزة.
ويسعى في سوريا، الى اغتيالات… إيرانية ولبنانية، والى ضربات لمخازن وذخائر إيرانية ولبنانية، من دون التصويب على أهداف توسعية إضافية. فالوضع مع سوريا غير مقلق بالنسبة إليه، مع سيطرته الدائمة على الجولان. وهذه السيطرة برأيه ليست بخطر.
في الرحلة السياسية
في السياسة، يعمل نتنياهو على 3 مستويات؛ على مستوى السياسة الاسرائيلية الداخلية، على مستوى السياسة العربية وعلى مستوى السياسة الدولية.
قد يكون الموضوع السياسي الأسهل لنتنياهو هو السياسة الدولية، مع دعم أميركي وأوروبي لا متناهي، ومع نشاط اللوبي الصهيوني القوي جداً، وبخاصة مع تحركات الأيباك التي لا تهدأ. وهو ما يضمن له فيتو أميركي في مجلس الأمن عند الحاجة، بالإضافة الى مساعدات عسكرية ومالية تصل إليه على الدوام. وقد وصلت المساعدات المالية خلال عشرات السنوات الى حوالى 175 مليار دولار.
فهذا الدعم الدولي لاسرائيل غير مشروط. ويستفيد منه أي وكل رؤساء الحكومات في اسرائيل.
ولا يخشى نتنياهو من المؤسسات الدولية؛ لا من محكمة العدل الدولية التي يهاجمها بقوة، بسبب مذكرة التوقيف التي اتخذتها بحقه (بالتوازي مع مذكرة ضد يحيى السنوار)، ولا من الهيئة العامة في الأمم المتحدة التي يبقى قرارها، ولو بالاجماع، وعلى أهميته، استشارياً وغير ملزم.
نتنياهو يعتبر نفسه، كما يعتبر اسرائيل فوق القانون الدولي. ويحظى بمعاملة دولية فريدة كما حصل مع استقبال رياضيي اسرائيل في الألعاب الأولمبية الأخيرة في باريس، واستبعاد رياضيي روسيا بالمقابل.
نتنياهو يعتبر نفسه، كما يعتبر اسرائيل فوق القانون الدولي
والأهم أن نتنياهو لا يخشى من قرارات مجلس الأمن، مع خزان هائل من 3 فيتوهات لكل من قراراته، أي الأميركي والبريطاني والفرنسي، علماً أن الفيتو الأميركي وحده يكفي.
وكذلك يدرك نتنياهو، أنه يستطيع الاعتماد على أصدقاء اسرائيل في عالمي المصارف والإعلام، للدعم عند الحاجة ولتلميع صورته، وصورة اسرائيل ولتشويه صور الآخرين.
عربياً، يعتبر نتنياهو أن اتفاقات أبراهام هي حجر الأساس لبناء علاقاته. وسيركز نتانياهو على هذه الاتفاقات التي تمّ توقيعها في شهر أيلول/سبتمبر 2020 بين اسرائيل وبين دولة الإمارات العربية والمغرب والبحرين. وهو يعتبر أنها تسعى الى إدخال الشرق الأوسط فعلياً في القرن الحادي والعشرين.
يعتبر نتنياهو أنه لا مشكلة مع قطر التي تلعب دور الوسيط بينه وبين حماس، ولا تلعب دور العدو
ويعتقد نتنياهو أن الاتفاق مع السعودية، وحتى مع دول خليجية أخرى ممكن في المستقبل. وذلك، بعد التطبيع المستمر مع كل من مصر والأردن. وهو يعتبر أنه لا مشكلة مع قطر التي تلعب دور الوسيط بينه وبين حماس، ولا تلعب دور العدو.
أبعدت أحداث 7 أكتوبر ومجازر اسرائيل التي تلتها ضد أهل غزة، أبعدت التوسع في اتفاقات أبراهام. وأبعدت بحسب نتانياهو الشراكة مع الدول العربية ودول الخليج.
في الداخل الاسرائيلي، معركة نتنياهو هي الأصعب
في الداخل الاسرائيلي، معركة نتنياهو هي الأصعب، ففي زمن الحرب تبقى “السكاكين” مخفية، وتنجح اسرائيل في أنه: في زمن الحرب ليس هناك يمين ويسار، ما يعني أن الحرب هي حطب ثورة نتنياهو على خصومه في الأحزاب الأخرى، كلما اشتعلت، كلما ابتعد عنه كأس الرحيل عن السلطة، الذي سيتجرعه عاجلاً أم آجلاً.
في هذه الأثناء، يفضل نتنياهو الخيارات العسكرية، يريد أن تضرب الولايات المتحدة إيران. وقد يذهب بنفسه (وبطائرات جيشه) لضرب أي محاولة لتطوير المفاعل النووي الإيراني! ولكنه الآن، يحاول أن يسحق إمكانية “التنفس العسكري” في الضفة، كما يريد إعادة مهجري الشمال الى “بيوتهم وقراهم” ومستوطناتهم، ولما كان يدرك أنه يستحيل أن ينسحب “حزب الله” من منطقة جنوب الليطاني، فهو لن يتردد بشن حرب شاملة على لبنان.
في ذهن نتنياهو، يريد رئيس الحكومة الاسرائيلية مخرجاً كالأبطال، وهو يدرك كل ما سيواجهه عند خروجه من الحكم، وهو إذا كان يسعى الى تحقيق مصلحة اسرائيل أولاً، إلا أنه يرى أن مصلحة اسرائيل، هي من ضمن مصلحته الشخصية، حتى ولو كانت تمر بإشعال المنطقة بأسرها.. على طريقة نيرون.

