احساس الناس بالخوف الذي اعقب مقتلة مجدل شمس، يمكن ان يشكل البوصلة لفهم مجريات الأحداث، لا سيما ما يمكن ان تقوم به اسرائيل، من عمليات امنية او عسكرية ضد “حزب الله”، او في لبنان عموما.
تتشابك الاخبار والمعلومات اعلامياً، وتنتشر على السنة الناس وعلى شبكات التواصل، بين استهداف المناطق السكنية، واستهداف مناطق عسكرية، او ان الضربة ستتم ليل الأحد (امس)، او إشاعة ان لا رداً اسرائيلياً الا بعد ثلاثة ايام. في المقابل، تنتشر اخبار عن “الكوابح” الاميركية للحرب ولاسرائيل ولحكومة نتنياهو، واكثر، ان هناك نوعا من ترتيبٍ لعملية الرد الاسرائيلي، بما لا يؤدي الى توسعة الحرب.
وفي خضم كل ذلك، يظهر وكأن حرباً نفسية اعلامية تشن على اللبنانيين، من خلال الضخ الهائل من المعلومات والشائعات والسيناريوهات، فيما القلق يزداد ويتنامى لدى فئات واسعة من المجتمع، و”زاد في الطين بلة”، الارباك الذي طال حركة الطيران في مطار رفيق الحريري الدولي، بسبب اعلان اكثر من شركة طيران خارجية وقف مؤقت لرحلاتها الى لبنان، فضلا عن تأخير عدد من الرحلات، الى الحد الذي انتشرت فيه صور في سماء لبنان على محطات اعلامية ليل امس الأحد، تشير الى عدم وجود اي حركة للطيران المدني في الاجواء.
السياسيون متحمسون لتوسعة الحرب، فيما الجيش والأمن يكبح هذا النزوع لديهم
“الحرب ستقع..لن تقع”؟، هذا هو السؤال المؤرق للكثيرين، وان كانت لم تلق اوزارها منذ ٨ اكتوبر الى اليوم، انقسام في الجانب الاسرائيلي يظهر الى السطح، ليس بين المعارضة والحكومة وهو الاهم، بل بين السياسيين في الحكومة وبين الاجهزة الامنية والعسكرية. السياسيون متحمسون لتوسعة الحرب، فيما الجيش والأمن يكبح هذا النزوع لديهم، ولا سيما اليمين المتطرف.
المتداول من دون تردد، ان واشنطن لا تريد حربا مفتوحة بين لبنان واسرائيل، كما لا تريد ان يؤدي الرد الاسرائيلي الى حرب شاملة، ما يطرح تساؤل، هل يمكن ان تذهب اسرائيل الى حرب من دون موافقة واشنطن؟
اسرائيل التي تستند الى اللوبيات الداعمة لها في واشنطن، قد تدفع نتنياهو الى امكانية ان يتجاوز خطوط الحمر الاميركية ويقوم بعمل عسكري
المقلق بحسب خبراء في واشنطن، ان نتنياهو الذي عاد من واشنطن خائبا من لقائه مع كاميلا هاريس، يمكن ان يبادر الى عمل عسكري امني من دون علم واشنطن، لأنه يدرك ان الادارة الاميركية وغالبية المؤسسة الاميركية السياسية والعسكرية، لن تتخلى عن اسرائيل، وتذكّر المصادر عينها، بحرب لبنان عام ١٩٨٢ عندما قامت اسرائيل باجتياح لبنان، وكان الاتفاق مع واشنطن ان نهر الاولي شمال صيدا هو خط نهاية الحملة، لكن رئيس الحكومة مناحيم بيغن ووزير دفاعه ارييل شارون، اكملا الاجتياح الى بيروت على رغم رفض واشنطن.
بهذا المعنى فان اسرائيل التي تستند الى اللوبيات الداعمة لها في واشنطن، قد تدفع نتنياهو الى امكانية ان يتجاوز خطوط الحمر الاميركية ويقوم بعمل عسكري، لفرض تسوية سياسية بشروطه، من دون ان يكون لديه قلق من فقدان الدعم الاميركي.
تأخير الرد الاسرائيلي على مقتلة مجدل شمس هو مؤشر مقلق ويدل على تحضيرات اسرائيلية جارية
تأخير الرد الاسرائيلي على مقتلة مجدل شمس، التي اتهمت “حزب الله” بالوقوف وراءها، هو مؤشر مقلق ويدل على تحضيرات اسرائيلية جارية، تدرس فيها الهدف ورد فعل الحزب لاحقا. فاسرائيل التي تبدو متماسكة عسكريا وغير مرتاحة سياسيا، تريد من “حزب الله” المرتاح سياسيا والمتضرر عسكريا بسبب طبيعة الحرب، ان ينصاع الى تسوية تصب في مصلحتها، اي تضمن امن منطقة الشمال، بما لا يوفر اي ظروف لتكرار ما جرى في غزة من لبنان.
الضربة الاسرائيلية يجب ان تصب في هذا الاتجاه، بحسب ما تقدر اوساط متابعة في واشنطن، على ان تكون ضربة موجعة ل”حزب الله”، ويخشى ان تطال مواقعا لها بعد مدني ليس عسكريا فحسب، لتوجيه رسالة قوية الى البيئة المؤيدة للحزب، تظهر الكلفة العالية، التي يمكن لاسرائيل ان تفرضها على لبنان.

