عاصي الرحباني.. الغياب المدوي!

لغياب عاصي الرحباني عيون ونظرات لا تحدها مسافة، ولا تحصرها مساحة. زمن الغائب لا يمكن قياسه بالوقت وجرعات الأيام والليالي التي عبرت وتعبر.غياب الكبار ليس رحيلاً ولا فناء، إنما الغياب هو حضور القامات الدهرية إلى ما لا نهاية الحضور نفسه.وعاصي الرحباني، هو القامة الخالدة في الزمن والصوت واللحن والموسيقى التي ترتب الحياة على أكمل حضور.

عاصي حنا الرحباني

وُلدَ عاصِي في 4 أيّار (مايُو) 1923 فِي قَرية أَنطلياس،وتوفى في 23 حزيران (يونيو)1986، لأبوين هُما: حنّا الياس الرّحبانِيّ وسعدى صَعب. وكان لِلبيئة الَّتِي نشأَ فِيها دورٌ أساسيٌّ فِي التَّأثِير على نوعِيَّة عطَائِه الفنِّيّ مِن حيث الأفكار والمواضِيع والسِّياقات، حيث كان عاصِي يكبُرُ فِي طُفُولته بيّن البساتِين والمُزارِعِين وما يُمثِّلُونه مِن تناغمٍ إِنسانِيٌّ مع الطَّبِيعة وقِيم العيشِ بِبساطةٍ ورِضى، وبيِّن المدرَسة والكنِيسة وما فِيهُما آنذاك مِن تركِيزٍ لِلقِيم الرُّوحيَّة والثَّقافِيَّة النَّبِيلة. وأَمضَى عاصِي قِسطاً هاماً مِن طُفُولتِه فِي مَقهى الفوارِ ثُمَّ المنيِبيِع فِي (الجَبل) الَّذِي كان يملِكه والِدُه، سمع فِيه قصص وأَخبار المراجِل والقبضايَاتِ الَّتِي كَانت تدور فِي أَروقته، وحَفِظ عاصِي عن جِدَّته غيتّا الَّتِي عاشت مَعهُم قصصاً وأشعاراً مِن المورُوث اللُّبنانِيّ الشّعبَيّ القدِيمِ. وإِلى منطقة الشوير الَّتِي تنحدِر مِنها أَصُوِّل العائِلة، والَّتِي تعلُو فِي اِرتِفاعها الجُغرافِيّ عَن أنطلياس، حيثُ الزُّهور الَّتِي تبتكِرُ حيِّزها الخاصِ بيِّن الصُّخُور والمُنحدِرات الوعِرة والقَاسِية، تصل بينها الينابِيع وجداوِل المِياه، وتتردَّدُ فِي أَرجائِها أَصداء «الذِّئاب»، كبِر عاصِي وفِي بالِه سحرٌ ودهِشةٌ مِن هذا الزَّخم الجِمالِيَّ العفوِيَّ الَّذِي عاشهُ فِي طُفُولتِه وكان جُزء مِن حيَّاتِه اليومِيَّة، فاِنعكس على فنِّه صوتاً وصُورة، ووطناً عرفهُ عاصِي طِفلاً ويافِعاً، ولم يبتكِرهُ مِن الفراغ أَو الوهم كما يعتقِد كثِيرُون مِمَّن عرفُوا لُبنَان مُمزَّقا بِالحواجِز وخُطُوط التَّماس خِلال سنوات الحرب.

آلته الموسيقية الأولى كانت الكمان (الكمنجة) ومن ثم البيانو تلاههما البزق الذي ألبسه عاصي أثوابًا جديدة وكرّمه بعزف ألحانٍ رئيسيةٍ لمرّاتٍ عديدة

لَم يتمكَّن عاصِي فِي مُراهقتِه مِن الانضمام لِجوقة الكنِيسة الَّتِي كان قد أَسَّسها الأَب بُولس الأَشقر الأَنطُونيّ، ولكن شغفهُ وموهِبتهُ دفعانه لِكي يُتابِع دُرُوس المُوسِيقيّ خِلسةً مِن النَّافِذة، إِلَى أَن جَاءت اللَّحظة الَّتِي سيُظهر عاصِي فِيها أَحقِّيَّتُه فِي تعلُّم المُوسِيقيّ، عندما أَجاب على سُؤَّالٍ كان قد وجَّهه الأَب الأَنطُونيّ لِلطَلبة فلم يستطِع أَيٌّ مِنهُم الإِجابة عليه، فتدخل عاصِي من بعيد:«أَنا بِعُرْفِ»، وعندما قدم إِجابته أَثار إِعجاب الأَب الأَنطُونيّ، الَّذِي باشر بِتعلِيمه مُنذ تِلك اللَّحظة ووجد فِيه الموهِبة والتَّفوُّق فِي الدُّرُوسِ على الآخرين، تتلمِذ عاصِي على يد الأَب بُولس لِمُدَّة سِتّ سنوات تعلّم خِلالها مبادِئ النَّظرَيات المُوسِيقِيَّة والأَلحان الشَّرقِيَّة والكنسِيَّة، ثُمَّ تابع تعلُّم التَّألِيف المُوسِيقِيّ الغربيّ وعُلُومه على يد الأُستاذ بِرتران روبيار.

آلته الموسيقية الأولى كانت الكمان (الكمنجة)، ومن ثم البيانو، تلاههما البزق الذي ألبسه عاصي أثوابًا جديدة وكرّمه بعزف ألحانٍ رئيسيةٍ لمرّاتٍ عديدة، والأهمّ من ذلك، أن البزق هو المحطّة الأولى لألحان عاصي، التي تنتقل فيما بعد من أوتار البزق وأنامل عاصي، إلى أوتار صوت فيروز وروحها المتّحدة والمتماهية مع كل لحظات ومراحل الخلق الجمالي الخاصّة، والرّوحية.
كانت بداياته الفنية وباكورة أعماله ضمن النطاق المحلّي لقريته، أنطلياس، تارة على شكل منشورات أو مجلّة الحرشاية التي كانت تحتوي شعرًا وأخبارًا وقصصًا يكتبها عاصي وحده ثم يوقّعها بمجموعة من الأسماء الوهمية، وتارة على شكل تمثيليات غير تقليدية وجريئة في مجتمع لا يزال بأطوار الوعي البسيط والناعم، ومن هذه التمثيليات (عذارى الغدير، عرس في ضوء القمر، تاجر حرب)، بدأت العروض في القرية، ثم لاحقاً في مسرح الوست هول، الجامعة الأميركية في بيروت، وفي الجونيور كولدج آنذاك (التي أصبحت كليّة بيروت الجامعيّة وثُم الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة اليوم) قُدِّمَتْ مسرحية غابة الضّوء.إلا أنه في المراحل الفنية اللاحقة والتي كانت فيروز جزءً أساسيًا فيها لم تُقَدَّم هذه الأعمال ربّما لأنها لم تستوفِ الشروط ومقتضيات النضوج الفني الذي سعى إليه عاصي وحرص عليه تحت اسم الأخوين رحباني.

(الملامح والرؤى)

يقول عاصي:«طبيعة لبنان هي اللي بتغذّينا بكل ما منكتب ومنلحّن، نحنا منحب كل شي بلبنان، منحب التلال الصخرية، منحب الشجّر، منحب الأرض والفلاح اللي بيزرع، منحب الشتي والعاصفة ومنحب الرّيح…كل شي بلبنان منحبّو وغنّيناه ووصفناه! شوفي هالتلال قدّامنا.. هيدي بيطلع من وراها القمر وبيبقى قريب كتير علينا.. وهيك، نحنا والقمر جيران».
يمكن القول عن عاصي أنّه من أبرز مؤسسي وروّاد الحركة الرومانسية الفنية في المشرق العربي، والرومانسية كحركة فنيّة تعني العودة إلى طبيعة بالمضمون والرّوح والفكرة، وقد سافر عاصي الذي نشأ طفلاً بين أحضان الطبيعة وناسها، بالمفردات اللبنانية الريفية وقصص التراث وألحانه وعادات ناسه، إلى أنماطٍ فنيّة عالميّة، بحيث لم يسلخها عن جذورها ولكنّه أيضًا لم يواصل الدوران في فلك إطارها المحلّي، وكان لريادته في هذا المجال دورٌ جوهريٌّ ومحوريٌّ في تكريس لهجة لبنان الغنائية بوضوح، وتحريرها من التأثيرات الخارجية، ومن ثم جعلها تنافس اللهجات الغنائية الأخرى بجدارة.

يمتد اللحن مع الأحرف الطويلة ويقف مع الأحرف القصيرة ويختلس مواقع النبرات

قال عاصي عن أستاذه الأول الأب الأنطوني أنه «آمن بعبقرية وحرفة اللغة العربية في التلحين؛ يمتد اللحن مع الأحرف الطويلة، ويقف مع الأحرف القصيرة، ويختلس مواقع النبرات»، وكانت هذه الرؤية من أبرز ملامح الأعمال التي كتبها عاصي وغنّتها فيروز فتميّزت بنطق الحروف وانعكس ذلك على توصيل المعنى الشعري واللحني بكل سلاسة ووضوح دون الابتعاد عن الجوهر الجمالي المكنون، ودون الانقياد للأداء الإتصالي الجامد الذي لا روح فيه، ولكن بينهما بمهنية وصدق وإخلاص وبلا تكلّف، وجوهر هذا الحيّز الذي ابتكره عاصي يتجلّى بمقولته التي اختصرت كل ما يمكن أن يُقال في النظرية الجمالية للأغنية، حين قال «النغمة أخت الكلمة، هيدي هيّي حقيقة الغنيّة». ومن حيث الكلمات فقد تمتَّعت الأغاني والقصائد التي كتبها عاصي بشخصيّةٍ تميّزت بالبساطة في شكلها وفكرتها، والأعماق الوجدانية السحيقة في معانيها ودلالاتها، والأناقة والنّبل في الموضوع وإسلوب التعبير اللفظي، كما أنها تميّزت بتكريس رومانسيّة المكان وتشخصيه ومخاطبته وأحيانًا استنطاقه. وحتّى القصائد التي لحّنها عاصي لشعراء آخرين معاصرين، أو الموشحات التي أُختيرت من الشّعر العربيّ القديم، كانت تدور في فلك الطقوس الجمالية التي تحتفي بالبساطة وتجعل منها أسطورة ناعمة تدخل قلوب جميع الناس. لقد آمن عاصي بأن هناك فرقًا بسيطًا بين الأغنية البسيطة والسخيفة، ولم يحدث أن غاب هذا التوازن يومًا ما في عملٍ من أعماله، فحتّى في بعض المشاهد المسرحية أو التمثيلية التي تستوجب أن يكون الكلام فيها يعبّر عن فكرة عادية، كان اللحن يعطي بُعدًا جماليًا وازنًا، يُجبر المتلقّي على إعادة ترديد الكلمات وإن كان غير شعرية ولا تحمل قصةً أو معانٍ وجدانية (على سبيل المثال: حوار الصبايا وعبدو في الدكّان – حكاية الإسوارة).

تأثر عاصي برؤى وهواجس معلّمه الأب بولس الأنطوني المتعلقة بالتوزيع الموسيقي والغناء المتعدد الأصوات (الهوموفونية والبوليفونية)، فابتكر عاصي أسلوبَه الخاص في التوزيع الموسيقي – والتوزيع الموسيقي: هو تحديد أدوار الآلات الموسيقية في تأدية اللحن ، وعمل على تطويره ليتناسب مع الوعي السمعي للجمهور الذي لم يكن يعرف آنذاك سوى الشكل التقليدي للغناء المحصور بألحان الصوت الواحد (المونوفونية)، ويقول عاصي بهذا الصدد:«نحنا منعتقد إنو غاية التوزيع الموسيقي هو إغناء شخصيّة الأغنية، فـ اللي بدّو يوزّع أغنية لازم يفتّش من الأغنية على طريقة لتوزيعها بدون ما تتغيَّر شخصيتها، ومن هالمنطلق بيقدر الإنسان يلاقي دايمًا توزيع سهل وبسيط». واستطاع عاصي بعد محاولات ومواجهات ضارية ضد التيار المنحاز للغناء القديم، أن يسافر بالذائقة المحلية والعربية إلى مساحاتٍ صوتية جديدة ظهرت فيها توزيعاته الموسيقية الحديثة (الآلية والغنائية) إلى جانب اللهجة المحلية واللغة العربية الفصحى، بل إلى جانب الألحان والقوالب الموسيقية الشرقية التقليدية.

كان عاصي يؤمن بأن الآلات الموسيقية تتمتّع بإمكانيات أدائية لا نهائية تمامًا مثل الحرف والكلمة، فلم تقتصر النقلة النوعية التي أحدثها في مجال الصوت الموسيقي على إدخال عناصر جديدة إلى اللحن والتوزيع وحسب، بل شملت أيضًا مراجعة وتطوير تقنيات الأداء، سواء في تسجيل الأغاني أو الأداء المباشر على المسرح، فعلى سبيل المثال، تميّزت الجمل اللحنية التي تؤدّيها الكمنجات في ألحان عاصي بالأناقة والصوت النقي والمتجانس، الذي يظهر فيه طابع الأداء الجماعي للآلات الوترية بانسجامٍ وصوتٍ موحّد، وليس طابع العزف المنفرد لكل عازف في المجموعة، ومردُّ ذلك لاهتمام عاصي بحركة الأقواس للآلات الوترية صعودًا وهبوطًا كما في الأوركسترا السيمفوني، وذلك لم يكن سائدًا آنذاك في الفرق الموسيقية العربية التي لا يتقيّد فيها عازفو الآلات الوترية بحركة أقواس موحّدة. كما أن لعاصي رؤية خاصّة بالكورال في الأغاني أو الحوارات الغنائية، تمثّلت بتوحيد نبرة الصوت وإظهار الديناميكية التي تعطي أبعادًا دراميّة لا نهائية للميلودي وللكلمة وللحالة الجمالية، حتى أصبح صوت الكورال في المسرح والأغنية الرحبانية له شخصية مستقلّة ومتميّزة وكأنّه أداءٌ فرديّ (Solo)، واستمرّت رؤيته الخاصة حتى اليوم في الكورال الذي يرافق فيروز في حفلاتها أو أداء التراتيل السنوية.

وفي مجال المسرح كان الإنسان هو محور الأعمال التي كتبها عاصي، وقد اهتم بكل تفاصيله، بدءً من الكلمة واللباس والحركة والمزاج والانفعال… وصولاً إلى التسلسل الدراميّ في أحداث القصة المسرحية، وكان عاصي عادلاً وموضوعيًا في عرضه لشخصيّات القصص، وخصوصًا عندما تكون القصة متمثّلة بصراع ذي أطراف، وإن كان لابد من الانحياز لأحد الأطراف في النهاية، إلا أن المتفرّج أو المستمع يجد نفسه أمام فرصةٍ للاقتراب من الطرف الآخر بتجرّد، وملامسة الإنسان الموجود على الطرفين. لذلك استطاعت هذه المسرحيات بقصصها وحواراتها وأغانيها أن تفرض نفسها على مختلف الأحداث والظروف، الشخصية والمجتمعية، بصفتها الأقرب للوجدان الإنساني، ولأن هذه المسرحيات في معظمها لامست واقع الناس في صميمه، وكما يقول عاصي:«أية حادثة من أحداث مسرحياتنا يمكن أن تجري في أي بلدٍ من العالم».

أما في السينما، فكانت الأفلام التي كتبها عاصي في حينها البصمة اللبنانية الأولى والأبرز في السينما العربية، وهي اليوم أصبحت أشبه بالمتحف المنظور الذي يحوي ما كان عليه المجتمع اللبناني ولبنان في تلك الفترة وما سبقها، فقد احتفظت هذه الأفلام من خلال القصص والأزياء واللوحات الراقصة والأغاني والمشاهد والحوارات، بأجمل ما يمكن للإنسان اللبناني أن يتذكره قبل الحرب، من عادات وتقاليد وقيم، وإسلوب عيش، وطبيعة المكان اللبناني في الرّيف والمدينة، وتقاليد حرفيّة وصناعيّة، وتنوّعٍ في اللهجات، واشتملت، كما المسرحيات، على تنوّعٍ ثري في الأساليب والقوالب والأمزجة الموسيقيّة بما يتناسب مع الصورة والقصّة والشخصية.
عاصي الرحباني هو أحد الأخوين رحباني،عاصي ومنصور. ويقول منصور الرحباني،في حديث صحافي معي في جريدة النهار،”عاصي الرحباني هو منصور الرحباني والعكس صحيح.الأخوين رحباني هما عاصي منصور الرحباني، جسدان في روح واحدة،في عقل واحد،في موسيقى واحدة”.

السابق
في الجنوب.. «العز» للموز و الأفوكا والليمون «شنق حاله»!
التالي
آلاف الإصابات بالكوليرا في العالم