عبّر مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان لـ “العربية” عن قلق بلاده إزاء احتمال التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، ومن وصول صواريخ الحزب إلى العمق الإسرائيلي، قائلا: “نواصل العمل لضمان أمن إسرائيل من الجهة الشمالية”.
توجه نجو التصعيد
في وقت تتكثف فيه المفاوضات داخلياً وخارجياً لمنع توسيع الحرب في لبنان، ووقف إطلاق النار في غزة والجنوب، لا يبدو أن المعطيات السياسية والعسكرية على الأرض من قبل طرفَي النزاع («حزب الله» وإسرائيل) تعكس تفاؤلاً بإمكانية نجاح الجهود المبذولة، وهو ما أظهره التصعيد العسكري بين الطرفين في الساعات الأخيرة والتهديدات المتصاعدة التي يطلقها المسؤولون الإسرائيليون.
ميدانياً تُظهِر الوقائع العسكرية على الأرض توجهاً إسرائيلياً نحو التصعيد؛ إنْ لجهة توسيع رقعة القصف أو الاستهدافات والاغتيالات التي تطول مدنيين وقياديين في «حزب الله» أو مقربين منهم، على غرار ما حصل مع مسؤولين في حركة «حماس»، بينما يحاول «حزب الله» البقاء في موقع الدفاع وليس الهجوم، وهو ما عاد وجدَّد التأكيد عليه أمين عام «حزب الله»، السيد حسن نصر الله، في خطابه الأخير، ملقياً الكرة في ملعب الإسرائيلي، ومهدداً بأن التصعيد سيقابله تصعيد، مع تمسكه بربط جبهة الجنوب بجبهة غزة، إضافةً إلى رفعه سقف التفاوض، وعدم قبوله بالاقتراحات والشروط التي يفرضها الإسرائيلي وتُطرَح خلال المفاوضات، مطالباً بإضافة شروط على القرار «1701».
الحرب مستمرة
ويرى مدير «معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية»، الدكتور سامي نادر، أن استمرار إسرائيل في حربها على جنوب لبنان بعد نهاية حرب غزة «شبه محسوم»، عادّاً أن إسرائيل ستتفرغ أكثر للجبهة الشمالية، في حال التوصل إلى هدنة في غزة. ويرى في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الأمور مرتبطة بموازين القوى التي لم تتبدَّل حتى الساعة، والتي لا تسمح بإقفال الجبهة وتطبيق القرار «1701»، كما أن إسرائيل لم تحقق أهدافها لغاية الآن، إلا إذا حصلت عملية عسكرية مفاجئة وتغيرت الموازين لصالح أحد الطرفين.
ويصف نادر الجهود التي تُبذَل على خط المفاوضات بـ«الحركة بلا بركة»، إذا بقيت موازين القوى على ما هي عليه اليوم، مشيراً إلى أن إسرائيل تحاول القيام بضغط عسكري لتقول لمن يهمه الأمر إنها جدية في إصرارها على إقفال جبهة الشمال. في المقابل، يراهن «حزب الله»، بحسب نادر، على الوضع المأزوم لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وعلى توتر العلاقة بينه وبين أميركا، والتغيير الذي حصل في الرأي العام الدولي لجهة الضغط لوقف العدوان على غزة.
بناءً على ذلك، يرى نادر أنه ليس محسوماً أن الهدنة الأولى التي حصلت في الجنوب مع هدنة غزة ستنسحب هذه المرة على الجبهتين، مرجحاً استمرار الحرب في الجنوب، رغم محاولة الحزب ربط المسارين ببعضهما، لأسباب استراتيجية تتعلق بإيران. ويذكّر بموقف الإسرائيلي الذي يعلن صراحة عدم قبوله بربط مسارَي غزة ولبنان ببعضهما، كما يرفض الوقوع في الفخ الإيراني مجدداً، مؤكداً أن التوصل إلى اتفاق في غزة لا يعني أنها انتهت على الجبهة الشمالية، ولا يعني إزالة التهديد الذي يشكله «حزب الله».
من جهته، يتحدث العميد المتقاعد خليل حلو عن «حرب استنزاف يتعرض لها (حزب الله) في الجنوب من قِبَل الإسرائيلي الذي يملك زمام المبادرة في الجنوب، ويقصف بشكل ممنهج وتدميري، وليس فقط رداً على الصواريخ التي يطلقها (حزب الله)». ويذكر بدوره بالموقف الإسرائيلي الرافض لربط جبهتَي الجنوب وغزة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مسار المفاوضات والتصعيد العسكري في غزة والتهديد بتنفيذ عملية في رفح لا يعكس أن هناك اتجاهاً للتهدئة».
ويضيف: «نصر الله قال إنه لا يريد التصعيد، وإن التهدئة مرتبطة بغزة، بينما إسرائيل تقوم بحرب معنوية واغتيال قادة وتدمير البنى التحتية في الجنوب الذي بات شبه مدمَّر، مقابل تسجيل بعض التراجع لعمليات (حزب الله) الذي خسر أكثر من 200 مقاتل في هذه الحرب، بحيث باتت لا تزيد على 5 و6 في اليوم الواحد، بعدما كانت تقفز فوق الـ10… علماً بأنه خسر أكثر من 200 مقاتل». من هنا، لا يستبعد الحلو أن تكون هذه المعطيات مؤشراً أو تمهيداً لعملية برية تقوم بها إسرائيل في أي لحظة تدرك فيها أن ما تريده لن يتحقق، وبأنها ستبقى مهدَّدة بوجود (حزب الله) طوال السنوات المقبلة».
الميدان الجنوبي
شهد تصعيداً إسرائيلياً شرساً، حيث أغار الطيران الحربي الإسرائيلي، على عدد كبير من القرى الجنوبية، فقضت أمٌّ وطفلان، في بلدة الصوّانة، فيما سقط قتيل في عدشيت، نعاه حزب الله لاحقاً.
ومساءً، استهدفت مسيّرة إسرائيلية شقّة في مبنى سكني بالنبطية ما أدّى الى انهياره على رؤس السكان، الذين قضَوا بين قتيل وجريح، ومنهم أفراد من عائلة واحدة.
وجاءت الاستهدافات المتتالية، بعدما انطلقت صباحاً رشقة من الصواريخ من جنوب لبنان باتّجاه بلدات في شمال إسرائيل، فأصاب بعضها، قاعدة عسكرية في “صفد”، ما أدّى الى مقتل مجنّدة إسرائيلية.
وقد قال الجيش الاسرائيلي إنّ ضرباته الجويّة طالت أهدافاً تابعة لـ “قوّة الرضوان” اضافة الى عدد من المباني العسكرية وغرف العمليات القتالية والبنى التحتية.
التصعيد في الميدان، واكبته تهديدات إسرائيلية جديدة بحق لبنان، حيث قال عضو حكومة الحرب بيني غانتس إن الردّ على عملية “صفد” سيكون قويّاً ووشيكاً، محمّلاً المسؤولية ليس الى “حزب الله” فحسب، بل أيضاً الى “الحكومة اللبنانية والدولة اللبنانية التي تسمح بإطلاق الصواريخ من أراضيها”، على حدّ تعبيره.
أمّا رئيس الأركان الإسرائيلي هيرتسي هاليفي، فأعلن أنّه وافق على سلسلة أهداف لضربها في لبنان، ردّاً على الهجوم الصاروخي على “صفد”، مشيراً الى أنّه في حال “اندلعت حرب في الشمال سيستخدم الجيش الإسرائيلي كلّ أدواته وقدراته”.
جهودٌ لمنع الحرب
كلّ ذلك تزامن مع دعوات دولية للتهدئة بين الطرفين. حيث اعتبر وزير الخارجية الفرنسية ستيفان سيجورنيه، أنّ الوضع في لبنان خطير لكنّه لم يبلغ نقطة اللاعودة، مشيراً إلى أنّ فرنسا منخرطة في حلّ النزاع، بهدف تجنّب حرب جديدة في لبنان.

