«الأساطير».. بروباغاندا روسيا الجديدة لتضخيم اقتصادها المتهالك!

روبل روسي
أصبحت الأساطير أساس السياسة الروسية، فبعد بدء الحرب على أوكرانيا، نشطت الدعاية في دوائر الاتصالات السياسية للكرملين، وباتت تُروَّج للمستهلك الداخلي والخارجي على حد سواء أساطير سياسية تشرح تقريبًا جميع جوانب معيشة الشعب الروسي.

أوردت الوكالة البولندية( كراج ) في مقال لها قبل ايام، ان الأساطير التي تطلقها ابواق الدعاية في روسيا، تمثّل أولوية بالنسبة للقيادة الروسية، حيث صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخرًا بأن الاقتصاد الروسي يشهد نموًا متزايدًا، إذ تحتل روسيا المرتبة الأولى من حيث التنمية الاقتصادية أوروبيًا، متجاوزةً ألمانيا، والمرتبة الرابعة عالميًا متفوقة على اليابان!!

مجرد قصف عنيف لأوكرانيا يكلف دافعي الضرائب الروس أكثر من مليار دولار، وهي تكلفة الصواريخ والطائرات بدون طيار التي تحلق فوق الدولة المجاورة ذات السيادة

وبرأي “كراج”، فان حجر الزاوية الآخر في الأساطير الاقتصادية الروسية، هو مقاومة روسيا الهائلة المزعومة للعقوبات الغربية. فـ”التحول إلى الشرق” الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة النطاق، قد فشل بالفعل (لم يقبل الشرق روسيا خوفًا من طبيعتها المفترسة)، وتحولت روسيا نفسها إلى “مملكة سلع المقلدة” الضخمة، حيث يكاد يكون من المستحيل العثور على المنتجات الأصلية. لذلك فإن حكايات ازدهار الاقتصاد الروسي موجهة إلى جمهور ساذج من الدول التابعة ومواطنيها، الذين اعتادوا تقليديًا على إرضائهم بسهولة.

ويبذل المسؤولون الروس جهدًا كبيرًا، في محاولة تخويف “الغرب المتحلل” والولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وألمانيا، أي التحالف الموالي لأوكرانيا عمومًا، بقفزة اقتصادية غير مسبوقة، وبالتالي إضعاف الغرب ومنع المساعدة لأوكرانيا.

تقلص الاقتصاد وارتفاع الاسعار

وتؤكد الوكالة البولندية، حقيقة هي أن الاقتصاد الروسي شهد تقلصًا، لأن كل الإمكانات الروسية سواء الفكرية والصناعية تخدم احتياجات الحرب، الأمر الذي بلا شك، يعتبر إشارة سلبية بالنسبة للغرب، الذي لا بد أن يجمع موارده ويحدد الأولويات التكنولوجية، من جهة، وأيضّا إشارة سلبية بالنسبة للمجتمع الروسي بأكمله، اذ لم يعد أمامه في ظل حكم بوتين، أي بديل سوى العيش من أجل الحرب والموت فيها.
لم يترك للشعب الروسي سوى العيش حياة معزولة، وسط روبل روسي ضعيف، وسياسة غامضة للبنك المركزي المتلاعب بمعدل الخصم. وتلمح رئيسة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا من حين إلى آخر، إلى احتمال وقف تداول العملات الأجنبية في بورصة موسكو، الأمر الذي يعتبر ضربة ساحقة للعملة الوطنية الروسية.

حكايات ازدهار الاقتصاد الروسي موجهة إلى جمهور ساذج من الدول التابعة ومواطنيها، الذين اعتادوا تقليديًا على إرضائهم بسهولة

أما الاستثمارات الأجنبية في القطاع المصرفي الروسي، فتكشف “كراج” انها توقفت عمليًا، وتضطر البنوك الروسية إلى الاقتراض من السوق المحلية، الأمر الذي يترتب عليه زيادة لا نهاية لها في معدل الخصم، وبالتالي زيادة في تكاليف الاقتراض، بالنسبة للسكان والأعمال التجارية. وفي أثناء ذلك يتزايد عدد القروض المتأخرة بسرعة البرق، وترتفع فائدة الرهن العقاري في روسيا. في الوقت عينه، قالت وزارة المالية الأمريكية إنها تفرض عقوبات على البنوك التي تسهل المعاملات المالية والتجارية، الهادفة إلى دعم الإمكانات العسكرية الروسية. بالإضافة إلى ذلك يعتبر منع الالتفاف على العقوبات من بين أولويات المجتمع الأوروبي.

وتلفت “كراج” ان موضوع نقص البيض وارتفاع أسعاره، اصبح حدثًا متداولًا بين أحداث الحملة الانتخابية الرئاسية في روسيا. وهذا مجرد قمة جبل جليدي، يهدد سفينة بوتين بالغرق عقب الاصطدام به مثل “تايتانيك”. وحتى بصرف النظر عن ارتفاع أسعار الطماطم والخيار من شهر إلى آخر، الذي بدوره يعتبر مؤشراً مهماً، يجدر التذكير بأن مجرد قصف عنيف لأوكرانيا، يكلف دافعي الضرائب الروس أكثر من مليار دولار. وهذه هي تكلفة الصواريخ والطائرات بدون طيار التي تحلق فوق الدولة المجاورة ذات السيادة.
في الوقت نفسه، يشهد قطاع الإسكان والخدمات المجتمعية، وسط الصقيع الشديد في روسيا انهيارًا، وفي ظل ظروف قاسية، حيث تتراوح درجة حرارة بين 25 و30 درجة تحت الصفر، يعاني المواطنون الروس من انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة المركزية والماء الساخن، حيث وصل الأمر ببعضهم إلى التجمع في أفنية المباني الشاهقة، وإشعال النار وترديد عبارة: “ساعدنا يا بوتين!”.

القطاعات الاقتصادية تعاني

كما كشفت الوكالة البولندية، ان قطاعات كثيرة من الاقتصاد الروسي أزمة عميقة، على وجه الخصوص الطيران المدني، حيث تتعطل الطائرات يوميًا تقريبًا بسبب نقص قطع الغيار، بينما تبقى بعضها ببساطة مفككة. وينجو قطاع النفط والغاز بفضل إمدادات قياسية إلى الهند بأسعار منافسة، بينما تتقلص الإمدادات إلى الصين التي كانت القيادة الروسية تعتمد عليها كثيرًا. ويبدو أن الصينيين يشعرون بخيبة أمل، إزاء الإمكانات الاقتصادية للأخ “الأصغر” وصواريخه “كينجال”. لذلك فان الإيرادات المتأتية من بيع النفط والمنتجات النفطية، تتراجع بسبب انخفاض أسعار النفط والخصومات المتزايدة، على خام الأورال الروسي، كما أن شركة “غازبروم” بصفتها سلاح الغاز لدى الكرملين، من المرجح أن تواجه إفلاسًا غير مسبوق، وبالتالي قد تصبح نصبًا تذكاريًا للتوسع الاقتصادي الوبيل.

ولاحظت “كراج” ان قيمة الأصول الروسية انخفضت بشكل حاد، حيث انخفضت قيمة أصول الشركات الخاصة بنسبة 50%، بينما أصول شركات القطاع العام بنسبة 75%. وقد لعب انخفاض قيمة الروبل، الذي تم التضحية به في المغامرة العسكرية، دورًا مهمًا في ذلك. وتشهد روسيا مغادرة الشركات إلى الخارج، وهي لا تشمل شركات تعمل في مجال الموضة أو التجميل فحسب، بل أيضًا الشركات التي تنتج وتورد المعدات. وإلا فكيف يمكن شرح وقوع الحوادث المتتالية في المؤسسات الصناعية الروسية في الآونة الأخيرة؟ من الواضح أن مبدأ استبدال المنتجات المستوردة بأخرى محلية لا يعمل، على الرغم من نداءات المسؤولين الروس لدعمها، في كل المنتديات الاقتصادية تقريبًا. وبلغ حجم رأس المال المغادر روسيا 253 مليار دولار أمريكي، في حين غادر 33% من أصحاب المليارات الروس البلاد. وغادر أكثر من مليون متخصص مؤهل تأهيلًا عاليًا روسيا، بعد بدء الحرب على أوكرانيا، إذ فضلوا الهجرة على الموت المشين في مكان ما في السهوب الأوكرانية، ومن بينهم متخصصون في قطاع تكنولوجيا المعلومات وعلماء واعدون.

وفي الختام تخلص الوكالة البولندية الى نتيجة، ان مثل هذه الخسائر في القطاع الاقتصادي تبرهن ان تصريحات السلطات الروسية حول النمو الاقتصادي الهائل، ليست سوى خدعة صريحة، تهدف إلى تخويف الغرب، في غمرة المفاوضات والتجاذبات حول القضية الأوكرانية.

السابق
حلاوي «ينفض الغبار» عن «ملف الضباط» بينهم قهوجي.. «من أين لكم هذا»؟!
التالي
الشاعر والمترجم من الألمانية صفوان حيدر..عاش غائباً ومات غريباً!