سعادة السفيرة أنت تعرفين جيّدا، لبنان. لن أعود للتّاريخ، فأنت تدركينه، وتدركين جمال مكوّناته وحسن ضيافة أهله. لكنّ أغلبيّة اللّبنانيّين، وخاصّة السّياسيّين، يرون في الولايات المتّحدة، قوّة عظمى. لذلك يستقبلونك بمهابة، ويمالقونك، ويمالقون مصالح إدارة بلادك في لبنان، ولو على حساب مصلحة بلدهم. أمّا أنا وكثيرون مثلي، يرون الولايات المتّحدة بلدا عظيما، ونستقبلك لهذا السّبب، كرسول حضاري.
لا شكّ أنّ كلّ إنسان يبني رؤيته بشأن الولايات المتّحدة، بما يعرفه، ويسمعه من أخبار عنها، وخاصّة الأخبار المتعلّقة بالنّزاعات العسكريّة. لا تصلهم أخبار ما يجري في المحافل الدّوليّة، وما تقدّمه أميركا من خدمات لمصلحة شعوب دول العالم، بما في ذلك لبنان. يعتقد معظم النّاس، أنّ أميركا تمارس مصالحها الخاصّة على حساب مبادئها الدّستوريّة. ويعتقدون أنّ اللّوبي اليهودي فيها، هو الذي يقرّر مصالح أميركا، وخاصّة في هذه المنطقة. وقد بلغت القناعة عند معظم اللّبنانيّين، أنّ واشنطن تماهي إيران في سياساتها الشّرق أوسطيّة، على حساب شعوب الدّول العربيّة، بما في ذلك في لبنان.
كان من الممكن أن أكون واحدا من هؤلاء، لولا أني أعيش في الولايات المتّحدة، وأراقب الأحداث، وأفهم نظام صناعة القرار في البلاد. وقد تعمقّت في مراجعة دور الولايات المتّحدة في صناعة تطوّر التّاريخ السّياسي في العالم. كتبت إلى الرّئيس بايدن أشكو دور إيران في ما وصل إليه لبنان من واقع مزري. تشرّفت بردّ من الرّئيس خلاصته، أنّ الإدارة الأميركيّة، تأخذ في الإعتبار، في قراراتها، مصلحة الشّعب الأميركي. كان يمكن أن يتبادر إلى ذهني أوّلا، أنّ الولايات المتّحدة تعيد إحياء مفهوم الدّولة القوميّة، على حساب مفهوم اللّيبراليّة العالميّة.
لكنّ إدراكي للقواعد الدّستوريّة التي تحكم الإدارة في الولايات المتّحدة، وما قدّمه هذا البلد للعالم، أعادني إلى قراءة أكثر عدالة وفائدة لهذا الرّد.
فمن جهة، لا يمكن لأيّ باحث أو قارئ في نظام العلاقات الدّولية، أن يتجاهل ما قدّمته الولايات المتّحدة من قواعد أنهت التّاريخ الإستعماري المقيت، ألذي ساد لقرون من الزّمن. إختار سكّان الشّرق الأدنى، ألولايات المتّحدة، عندما قامت لجنة كينغ- كراين باستقصاء رغباتهم عام 1919، بشأن الدّولة التي يرونها كقوّة انتداب في بلدانهم، وذلك إيمانا برسالة الرّئيس ويلسون، وبمبادئه الأربعة عشر. كما أنّ لبنان كان من الدول الأصليّة التي وقفت إلى جانب الولايات المتّحدة في مؤتمر سان فرنسيسكو عام 1945، لإنشاء الأمم المتّحدة. لبنان استمرّ حتى عام 1968، مركز الثّقة الأكبر للولايات المتّحدة في الشّرق الأوسط.
لكنّ الإدارة الأميركيّة تخضع لأحكام الدّستور الذي يمنح الرّأي العامّ، قوّة بالغة الأهمّيّة في صناعة القرار السّياسي. لا شكّ أنّ للّوبيّات في البلاد، بما في ذلك اللّوبي اليهودي، قوّة ضاغطة كبيرة على اعتماد الإدارات للسّياسات الأميركيّة، سواء في الشّرق الأوسط أو غيره. لكنّ تأثيرها يقتصر على قدرتها بالتّأثير على العمليّة الإنتخابيّة، بما تملكه من مقدّرات ماليّة، ضروريّة، لأيّ مرشّح لموقع سياسيّ في البلاد. يقول السّفير مسعود المعلوف، أنّ نظام تمويل الإنتخابات في الولايات المتّحدة، أفقده البعد الدّيمقراطي الصّحيح. ترى هل ينقص الشتات العربي واللّبنانيّ في الولايات المتّحدة، قدرة على إقامة لوبيّات فاعلة، تعمل وفقا للنّظام الدّستوري في البلاد، وتفرض قراءة مصالح أوطانها بشكل أكثر عمقا؟
ما بني على خطأ، لن يقيم بنيانا صلبا يمكن للولايات المتّحدة أن ترتاح له
سعادة السفيرة، ما بني على خطأ، لن يقيم بنيانا صلبا يمكن للولايات المتّحدة أن ترتاح له. قرار إبعاد لبنان عن الحرب مع غزّة، ليس في القصر الحكومي في بيروت. قال السّفير دايفيد ساترفيلد، في إحدى زياراته إلى لبنان عام 2019، أن بلاده لن تكرّر خطأ عام 1991، وأنّ القرار بشأن مستقبل البلاد، يجب أن يكون للّبنانيّين. أخطأت الولايات المتّحدة في حينه، عندما قدمت جائزة ترضية إلى الدّيكتاتور السّوري حافظ الأسد، بتوليته ملف لبنان، وتنفيذ اتّفاق الطّائف، تقديرا لدوره مع التّحالف الدّولي لتحرير الكويت، من الدّيكتاتور العراقي، صدام حسين. كنتم قد ساهمتم مع نهاية الحرب الباردة، بالتّوصّل إلى اتّفاق الطائف، لإنهاء الحرب الأهليّة في البلاد. كان الإتّفاق يفترض سحب سلاح الميليشيّات، وتنفيذ إصلاحات دستوريّة، تزيل أسباب تلك الحرب. تمّ تعديل الدّستور ليتضمّن البنود الإصلاحيّة. وتمّ سحب السّلاح من كلّ الميليشيّات عدا حزب الله.
هذه الميليشيا ليست لبنانيّة، بل هي جزء من الحرس الثّوري الإيراني
هذه الميليشيا ليست لبنانيّة، بل هي جزء من الحرس الثّوري الإيراني. إنتهت الأعمال العسكريّة التي كانت تدمّر لبنان داخليّا. لكنّها إستمرّت إقليميّا ودوليّا. أقام الدّيكتاتور من لبنان، جرما تابعا له. كلّ قادة الميليشيّات، صاروا جنودا في جيشه، يزحفون إلى عنجر، مركز الحاكم السّوري العسكري، لتلقي الأوامر. وحده قائد ميليشيا القوّات اللّبنانيّة، رفض الخضوع لإرادته. تمّ سجنه. سمح الدّيكتاتور السّوري بتنفيذ بعض بنود دستور الطّائف، ورفض استكمال تطبيق البنود التي تحرّر اللّبنانيّين من أسباب انقسامهم وتشتّتهم. ترك قادة الميليشيّات يتحكّمون بإدارة البلاد، واستغلال مواردها. وترك لهم إقطاعيّاتهم ممّا يمكّنه ساعة يشاء، من إعادة تفجير الحالة في البلاد. يعتبر هذا الواقع، في القانون الدّولي، إحتلالا وليس وصاية.
حافظ الدّيكتاتور، على توازن في علاقاته العربيّة الإيرانيّة. ترك للرّئيس رفيق الحريري إدارة البلاد ضمن الأطر التي يحدّدها. وترك ميليشيا إيران قوّة يواجه بها خصومه إقليميّا ودوليّا. سمح هذا الواقع لإيران، أن تعزّز من مكانتها في لبنان. توافقت مصالحه ومصالح إيران، بجعل إسرائيل، هدفا مشتركا لهما. كلّ منهما لغايته. عاد لبنان سريعا ساحة حروب. دفن الدّيكتاتور، عاش الحرس الثّوري. أخذوا مكانه في الجنوب ولبنان. ألحرب الأهليّة مستمرّة وأنتم تعلمون ذلك. لن تتوقّف الحرب الأهليّة قبل استكمال تطبيق أحكام الدّستور، بكاملها.

