شكلت عملية إغتيال الشيخ صالح العاروري، نجاحا مؤكدا لجهاز المخابرات الإسرائيلية، “الموساد”، واتت العملية تنفيذا لتهديدات بنيامين نتنياهو، باستهداف قادة “حماس” اينما وجدوا، كما حدثت بعد تهديدات خصصتها اسرائيل للعاروري نفسه، وقد استدعى ذلك في وقتها، ان يرد السيد حسن نصرالله على هذه التهديدات واعدا بالرد عليها بقوة وحزم.
وقد طرحت هذه العملية سلسلة من المسائل والاسئلة والتحديات :
أولا- ان تقنية تنفيذ العملية، اظهرت ان لدى اسرائيل اسلحة وتقنيات، تستطيع من خلالها ان تقتل مسؤولي “حماس” دون تدمير البناية باكملها، ودون ان تدمر منازل اخرى غير المنزل المستهدف، ولذلك فقد أكدت هذه العملية على المستوى التقني، ان قيام طيران العدو بتدمير الابراج السكانية والمباني في غزة كان عملا، المقصود منه الانتقام الجماعي من الشعب الفلسطيني، والتمهيد للاجلاء القسري للسكان، وتهجير المدنيين والشعب الفلسطيني، وليس استهداف حركة حماس فقط… وهو ما يكشف تعمد جيش الاحتلال على ارتكاب جريمة الابادة الجماعية…
ثانيا- اظهرت العملية ان حركة “حماس” ليست موجودة فقط في المخيمات الفلسطينية في لبنان فقط، بل تتمتع بحرية انتشار وحركة في مناطق نفوذ “حزب الله” ومقاره الامنية، كما تتحرك بالتنسيق مع “حزب الله” على الحدود اللبنانية الجنوبية، وتمارس اعمالا عسكرية عبرها، وهو أمر خطير، ويعيد لبنان الى ماض انقضى، ليصبح قاعدة انطلاق وتمركز، للمنظمات الفلسطينية المتحالفة مع محور الممانعة.
ويصبح السؤال مشروعا، من اعطى “حماس” وغيرها شرعية الوجود العسكري على ارض لبنان؟ في حين ان مقررات مؤتمرات الحوار الوطني، هي نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات!!
فاذا كانت ذريعة “حزب الله” للحفاظ على سلاحه، هي ما ورد في البيان الوزاري للحكومة، بحق اللبنانيين في الدفاع عن ارضهم ومقاومة الاحتلال الاسرائيلي، فان هذا البند، حتى لو سلمنا جدلا انه تبرير لوجود سلاح حزب الله، فإنه لا يمكن ان يبرر وجود اي سلاح او تنظيمات مسلحة ممانعة أخرى، سواء كانت فلسطينية او ايرانية او يمنية او عراقية، وان حق المقاومة فيما لو استمر قائما بحكم الامر الواقع، هو حق لبناني، ولا يمكن ان يتمدد ليصبح حقا لاي طرف من اطراف الممانعة، وعلى الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني ان يتصرفوا على هذا الاساس.
ثالثا- طاولت عملية الاغتيال مفصلا اساسيا، في العلاقة الايرانية ب “حماس”، يدير علاقة ايران ب”حماس” و”حزب الله”، وتمت في بيت “حزب الله” ومربعه الامني، وتزامنت مع عمليات أخرى، باغتيال احد كبار رجال الحرس الثوري الايراني رضا الموسوي في دمشق، وتفجير جموع المعزين، في احتفال ذكرى مقتل الجنرال قاسم سليماني في مدينة كرمان الايرانية، ويرجح ان اسرائيل وراءها جميعا…
ويظهر من خلال ذلك كله ان نتنياهو، يحاول جر اميركا وايران الى حرب واسعة اقليمية، لكن الادارة الاميركية تدرك هدف نتنياهو، وهي لن تنجر الى توسيع حرب ضد ايران على الارجح، كذلك ايران، فإنها لا ترغب بحرب مفتوحة قد تواجه فيها أميركا. ولذلك سيبقى سقف التعاطي الايراني بمستوى منخفض من التوتر، حاكما سلوك “حزب الله” وبقية الاذرع الايرانية في الاقليم…
ويهدف التصعيد الاسرائيلي الاستفزازي المتصاعد، بحده الادنى، الى اعادة طرح امن المستوطنات على حدود الكيان الشمالية، والسعي لترتيبات وتعديلات تطال اجراءات تنفيذ القرار الدولي ١٧٠١، بحيث تضمن عدم حدوث “طوفان اقصى آخر” من الحدود اللبنانية، ويقوم به “حزب الله”، كما يهدف التصعيد بحده الاعلى، الى إستدراج انفلات مواجهة اقليمية مفتوحة على ايران ومحورها باكمله،
وتخلق هذه المعادلة مأزقا حقيقيا ل”حزب الله”،
حيث يتقلب الحزب مرتبكا بين الالتزام بسقف توتر منخفض تتبناه ايران، وتفرضه على اذرعتها في الاقليم، وبين تصاعد الاستفزازات الاسرائيلية المستمرة.
وعلى الرغم من ان الحوثيين، قد قاموا بعرقلة الحركة البحرية في باب المندب، وهي خطوة مؤثرة على خطوط التجارة العالمية، فان حل هذه المسألة والتفاوض حولها، سيضمن لايران مقعدا مشاركا كبقية الاطراف، من اجل رسم توازنات المنطقة.
رابعا- تشكل العملية محطة هامة، من انتقال المواجهة بين “حماس” وجيش الاحتلال، الى مرحلة اشيع انها تسمى المرحلة الثالثة، وهي مرحلة شكل الانتقال اليها، موضع خلاف عميق بين المستوى السياسي، في حكومة اليمين برئاسة نتنياهو، وبين المستوى العسكري، اي الجيش والاجهزة الامنية، والذي انفجر خلافا داخل مجلس الحرب الاسرائيلي، كما شكل هذا الانتقال، موضوع خلاف بين الحكومة الاسرائيلية والادارة الاميركية…
أما مواصفات المواجهة في المرحلة الثالثة فمطلوب فيها، كما طلبت أميركا مرارا، تخفيض الخسائر المدنية لدى الفلسطينيين، وعدم الافراط بدمار العمران المديني، او متابعة تهجير السكان او استهداف المدارس والمستشفيات، والتركيز على عمليات جراحية، تستهدف حركة “حماس” وكوادرها وبنيتها، وتأتي الرغبة الاميركية الساعية لاسباب سياسية واخلاقية، الى تهدئة الحملة العالمية، لمواجهة حرب الابادة الاسرائيلية، ووقفها على المدنيين في غزة، متوافقة مع سعي قيادة جيش الاحتلال واجهزة المخابرات من “موساد” و”شاباك”، للإنتقال الى هذه المرحلة، بعد ان ظهر ان الحملة البرية على غزة، تتعثر يوما بعد يوم وترتفع كلفتها البشرية، وتستطيل مدة انجاز مهامها، والتي يصر عليها المستوى السياسي في حكومة اليمين، لدوافع ايديولوجية وعنصرية، من اجل اقتلاع السكان و”الترانسفير” الى سيناء.
خامسا- ما لا تعترف به “حماس”، او حتى تدركه، هو ان الراي العام العالمي، الذي عبر عن ادانته للحرب المجنونة على غزة، كان موقفه انتصارا وانحيازا لاطفال فلسطين وقضيتها العادلة، ولم يكن تأييدا ل”حماس” وعقيدتها وافكارها ومبادئها، واذا ما نجحت اسرائيل في فصل حربها ضد الشعب الفلسطيني، عن حربها ضد “حماس” نظريا وعمليا، فان اسرائيل تستطيع ان تستمر في عمليات الاغتيال، وتصفية مسؤولين في “حماس” وفي بلدان الممانعة ولن تلقى معارضة تذكر، بل قد تلقى تشجيعا وحتى تواطؤا على كل مستوى…

