ازاء مخاطر الحرب واحتمالات التسوية، يبقى السؤال في لبنان ملحاً عن الدولة اللبنانية، اين هي في خضم التطورات، من ادارة المواجهة مع اسرائيل، ومن التعامل مع التطورات العسكرية في الجنوب، الى المسؤولية عن الاوضاع السياسية، لا سيما مسألة التصدي لتداعيات الأزمة القائمة بكل ابعادها، ومنها الاقتصادية والاغاثية، التي تفترض تحركاً استثنائياً لما تبقى من مؤسسات دستورية، كمجلس النواب ومجلس الوزراء والجيش اللبناني؟
فالوقوف وراء الدولة ومؤسساتها اليوم، لا يقل اهمية، بل يتجاوز في ضرورته، ما قاله “حزب الله” عشية الترسيم البحري مع اسرائيل، انه “يقف خلف الدولة اللبنانية”.
وما يثير المخاوف ويراكمها على مستوى لبنان، الاجلاء المستمر للرعايا الاجانب في لبنان، والذي تشرحه البيانات المتلاحقة لعدد من السفارات الغربية في لبنان، لا سيما اخيراً بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية، اللتين تحدثتا عن اجلاء الآلاف من رعاياها في لبنان، فضلا عن عدد من الدول التي اجلت رعاياها فعلاً، مثل كندا واستراليا، إضافة الى استعداد مستجد، لدول أعلنت انها سوف تسحب ما تبقى من مواطنيها من لبنان.
تتخوف مصادر غربية خاصة من “احتمالات توسّع الحرب الجارية في غزة نحو دول الجوار”
وليس بعيداً من ذلك، تتخوف مصادر غربية خاصة، من “احتمالات توسّع الحرب الجارية في غزة نحو دول الجوار، وهي لا تزال قائمة، رغم الجهود الاميركية للجم هذا الخيار”.
رئيس حكومة الحرب بنيامين نتنياهو رفض اقتراح واشنطن عن الهدن الانسانية
وتكشف ان “جولة وزير الخارجية الاميركية انتوني بلينكن في المنطقة، التي بدأت من اسرائيل يوم الجمعة، لم تصل الى نتيجة مرضية، إذ انه على رغم التأييد الاميركي المعلن والصريح لحرب اسرائيل على حركة “حماس”، فان رئيس حكومة الحرب بنيامين نتنياهو، رفض اقتراح واشنطن عن الهدن الانسانية، وتمسك بقرار استمرار الحرب، مبدياً استعداده لهدنة مؤقتة واحدة، تؤدي حكما الى اطلاق اسرى من قبضة حماس”.
خلاصة الموقف الاميركي ومخاوف بلينكن من تمدد الحرب، لم تعد مجرد احتمال، بل هو ابلغ رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني خلال زيارته الأخيرة لبغداد، كما نقل مقربون منه، قوله ان “واشنطن لا تحمل اخباراُ سارة لكم، وهي تتفهم غضب بعض العراقيين من استمرار الحرب في غزة”.
واشنطن سحبت بعض التقنيات العسكرية والامنية الاميركية من مسرح الحرب في محاولة لتليين موقف نتنياهو،
وفي هذا السياق، وبحسب المعلومات المتوافرة لدى المصادر الغربية، فان واشنطن سحبت بعض التقنيات العسكرية والامنية الاميركية من مسرح الحرب، في محاولة لتليين موقف نتنياهو، من دون ان يعني ذلك عدم دعم اسرائيل، وهذا يترافق مع تخوف اميركي من قيام نتنياهو بضربات عسكرية في لبنان او سوريا، تعوض عن عدم قدرته على تحقيق انجاز نوعي في غزة، وهو ما يمكن ان يستدرج حرباً، تدخل فيها اذرع ايرانية في لبنان وسوريا، وربما اطلاق صواريخ من العراق واليمن باتجاه اسرائيل”.
تظهير مخاطر توسع الحرب على اسرائيل بات حاجة اميركية
وحسب قراءة مصادر غربية متقاطعة مع اخرى عراقية، فان “تظهير مخاطر توسع الحرب على اسرائيل، بات حاجة اميركية، تسمح لهل أن تغض الطرف عن قيام اذرع ايران، بحشد مقاتلين وتوجيه ضربات لاسرائيل، تتيح بظن الاميركيين، امكان احداث تغيير في الموقف الاسرائيلي لصالح التهدئة، ووقف العمليات العسكرية، المشتملة ضمن مسار متدرج، يبدأ بالهدن المؤقتة وصولا الى اطلاق الاسرى، وبدء المسار السياسي”.
وفي الموازاة، يبقى لبنان اكثر المرشحين لحرب يشنها نتنياهو، خصوصا انه لايزال يعتقد، بأن لديه فرصة لتحقيق انجاز عسكري في لبنان، وما يثير المخاوف على هذا الصعيد، ان واشنطن وامام التعنت الذي يبديه نتنياهو حيال التهدئة، وامام انسداد افق الحلول في غزة، وازاء فشل الرئيس الاميركي في فرض هدن انسانية، لن يكون امام واشنطن سوى أن تغض الطرف، عن توسّع الحرب رغم مخاطرها واكلافها، لكن هذه المرة بغاية رفع الكلفة على الاسرائيليين، وهو وان بدا خيارا خطيرا بتداعياته، فانه يمكن ان يكون آخر دواء، أي الكيّ، خصوصا اذا ايقنت ادارة بايدن ان حرب غزة، ليست كافية للتأثير على موقف نتنياهو والرأي العام الاسرائيلي، ولا بد من فتح جبهات اخرى وتأجيج الحرب، وما يصحبها من تعاظم خسائر، تتيح للاميركيين والاوروبيين الدخول على خط الازمة من جديد، من اجل كسر التعنت وحالة الانسداد، التي يفرضها نتنياهو، وفرض تسوية متوازنة، هذه التسوية التي لا يمكن ان تفرضها سوى واشنطن، وستقبلها الاطراف المتصارعة بنهاية الأمر.. ولو مكرهة!

