عن تاريخ «المارونية السياسية اللبنانية» و«عقدتي» إصلاح النّظام الطائفيّ والصراع على رئاسة الجمهورية

بِمَنهجيّةِ بَحثٍ ، نقديّةٍ وتحليلية ، يتحدّث الكاتب الصحفيّ اللبنانيّ ياسين شبلي، عن ” المارونية السياسية اللبنانية”، وعماّ رافقها من إشكاليّات جوهريّة تتعلّق بِبُنيَة نظام الحكم في لبنان . وذلك في كتابه الصادر، حديثاً، وفي طبعة أولى 2023 عن “مؤسسة ألف ياء” في بيروت، تحت عنوان: المارونية السياسية – عُقدة الإصلاح … والرئاسة”.

عقدتان طائفيتان

ويقول هذا الكتاب، إنّ ” المارونية السياسية اللبنانية ” (- وهي التي ، كوَحدةٍ من وَحَداتِه السياسية، اختَّصها نظامُ الحكم في لبنان، منذ ولادته، برئاسة الجمهورية –) قد لازَمَتها، عُقدتان أساسيتان اختُصَّ بهما نظام الحكم في لبنان، كنظامٍ طائفيّ وهُما: “عُقدة إصلاح النظام الطائفي اللبناني”، و”عُقدة الصراع على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية”.

بحثٌ شامل

ويتناول هذا الكتاب موضوعه هذا ، من خلال معالجةٍ بحثيّةٍ شاملة ، تبدأ بالوقوف على جذور إرهاصات ولادة ” لبنان الكبير ، منذ تَشَكُّلِه ، كدولةٍ مستقلة في الأوّل من أيلول عام 1920 ، وتنتهي بالوقوف على ما وصلت إليه وضعيّة الدولة اللبنانية ، حاليّاً .
ويتألف مضمون هذا الكتاب من : مقدّمة ، تسبق مَتنَهُ الذي يتراوح تأطيره على مدى فصلين اثنين متمحورين حول ” المارونية السياسية ” ، وحول ” الطريق إلى رئاسة الجمهورية ” .

يتناول هذا الكتاب موضوعه من خلال معالجة بحثية شاملة تبدأ بالوقوف على جذور إرهاصات ولادة لبنان الكبير وتنتهي بالوقوف على وضعيّة الدولة اللبنانية حاليّاً

ميثاقُ الاستقلال الأوّل

وتفيد مقدمة هذا الكتاب بأنّ اللبنانِيين لم يلتقوا على صيغةٍ مشتركة للحكم حتّى بعد إعلان دولة لبنان الكبير؛ لكن نشأت لحظةُ “التفاهم فيما بينهم عبر الميثاق الوطني الذي عقده الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح، والذي يتخلى بموجبه المسيحيون عن الحماية الفرنسية، والمسلمون عن مطلب الوحدة مع سوريا كما هو معروف، إتفق اللبنانيون وتحلقوا حول الميثاق الوطني فكان الاستقلال الأوّل .
“قنبلة ميثاقيّة موقوتة!”

وإذا كانت قضية إصلاح النظام الطائفي تمثل مشكلة قبل الحرب الأهلية فإنها بعدها تحولت إلى عقدة مضافاً اليها عقدة الرئاسة

ترافق الاتفاق على الميثاق الوطني مع تثبيتِ صِيغةٍ للحكم مبنية على “نظام طائفي” يكرّس الامتيازات الممنوحة للمسيحيين، التي أعطاهم إياها الانتداب الفرنسي، هذه الصيغة للحكم كانت بمثابة قنبلة موقوتة مربوطة إلى الميثاق الوطني وتهدّد بانفجاره في أي لحظة ، مع إحساس المسلمين بأنّهم ” مواطنون من درجة ثانية”، خاصة مع التغيّر الديموغرافي والعددي في الخمسينات، الذي كان البعض من الموارنة يتخذون منه سبباً ، لتميُّزهم عندما كانوا يمثلون الأكثرية العددية، فاستبدلوه في الخمسينات بـ”الضمانات الضرورية للأقليات”، خاصة مع بروز قضية فلسطين والتغّيرات في المنطقة مع طوفان الناصرية، ما جدّد الحنين لدى البعض من المسلمين – وليس كلهم للأمانة – للوحدة العربية، فيما اتخذ البعض الآخر من التطورات في المنطقة وسيلة ضغطٍ لإعادة التوازن إلى السلطة، ألأمر الذي تجاهلته ولم تتجاوب معه النخبة المارونية الحاكمة، ما أدى إلى تراكم الخلافات، ليدخل لبنان بعدها نفق الصراعات الإقليمية، خاصة بعد العام 1965، تاريخ انطلاق الثورة الفلسطينية، بما خلقته من حماسٍ ثوري وقومي في صفوف المسلمين، ترافق ذلك مع أزمة بنك أنترا عام 1966، التي كانت إيذاناً مبكراً وجرس إنذار، بأنّ عصر الازدهار اللبناني الذي بدأ في الخمسينيات قد بدأ يتراجع، وكذلك مع نموّ الحركات الطلابية والعُمَّالية، التي كانت تعبّر عن فشل النظام السياسي والإقتصادي، الناتج عن الجمود والفشل في استيعاب القوى السياسية والإجتماعية الجديدة التي ظهرت، فبان العطب في النظام بشكل جلي ،خاصة مع التطورات المثيرة في المنطقة بعد هزيمة 1967 ، وبعدها وفاة جمال عبد الناصر والحركة التصحيحية في سوريا وبروز منظمة التحرير الفلسطينية كقوة فاعلة على الساحتين اللبنانية والعربية، فكان النظام في لبنان أضعف من أن يتحمّل كل هذه المتغيرات، فوقع المحظور عل شكل حرب أهلية لبنانية عام 1975، ما لبثت أن تحولت إلى حرب أهلية عربية، تداخلت وتشابكت فيها كل الصالح الإقليمية والدولية، فانقسم اللبنانيون وعادوا إلى نقطة الصفر، ما بين مطالِب بالتقسيم مستعدّ للتعامل مع شياطين المنطقة والأرض لحماية “مجتمعه”، وبين مطالب بوحدة المصير والمسار ، تارة مع الفلسطينيين وأخرى مع سوريا”.

ما قبل الحرب الأهلية وما بعدها

ومما تقوله المقدمة، أيضاً : إنّه ” وإذا كانت قضية إصلاح النظام الطائفي تمثّل مشكلةً قبل الحرب الأهلية، فإنها بعدها تحولت إلى عقدة مضافاً إليها عقدة الرئاسة بسبب تداعيات الحرب التي تركت آثارها عل علاقات الطوائف بعضها ببعض، كما على العلاقات بين أطياف كل طائفة على حدة، خاصة الطائفة المارونية بسبب الصراع على موقع الرئاسة، الذي وإن كان دائماً ومنذ الإستقلال يخضع لتوازن القوى الإقليمية، إلا أنه كان يحصل على الأقل بسلاسة سياسية ولو بقشرة ديموقراطية، بعكس ما بات عليه الوضع بعد الحرب بحيث أصبح كل استحقاق رئاسي يضع البلد والطائفة المارونية عل برميل بارود سرعان ما ينفجر، ما يدفع بالبلد أكثر وأكثر إلى آتون الصراعات الإقليمية التي غالباً ما تنتهي بوضعه تحت الوصاية كما حصل منذ العام 1988 وحتى اليوم.

أصبح كل استحقاق رئاسي لبناني بعد الحرب الأهلية يضع البلد والطائفة المارونية على برميل بارود سرعان ما ينفجر ومن ثمّ يضع لبنان تحت الوصاية كما حصل منذ العام 1988 وحتى اليوم

محتويات الكتاب

وتضيف المقدمة قائلة: إنّه و” انطلاقاً من هذه المعطيات ، نقدّم هذا الكتاب المؤلف من فصلين، ألأول عبارة عن “دراسة سياسية تحليلية نقدية تنقسم إلى ثلاثة أجزاء تغوص في محطات ووقائع وشواهد، تسرد تاريخ “المارونية السياسية” في لبنان و”عقدة الإصلاح والرئاسة” المتلازمة معها، منذ نشأتها إبان الاستقلال مروراً بالحرب اللبنانية واتفاق الطائف وصولاً إلى “العهد القوي”، والصراعات والحروب والنزاعات الداخلية بين أركانها السياسيين والحزبيين من جهة، وبين أركان “الطائفيات السياسية” الإخرى المقابلة، كما جاء في مقدّمة موقع ” جنوبية ” عند نشرها. والفصل الثاني هو سلسلة مقالات نشرها أيضاً موقع “جنوبية”، على أبواب نهاية العهد الأخير، عبارة عن بروفايل للرؤساء (رؤساء الجمهورية) السابقين منذ الاستقلال وحتى اليوم، مع الظروف السياسية التي رافقت وصول كل منهم إلى الحكم، وطريقة ممارستهم لمهامهم وظروف مغادرتهم الموقع”.

إشارة توضيحية

ويختتم الكاتب مقدمة هذا الكتاب بالإشارة التوضيحية الآتية: “يبقى أن نقول بأنّ الحديث عن “المارونية السياسية” وعقدة الإصلاح والرئاسة لديها، من منطلق نقدي وتحليلي، لا يعني أبداً بأنّ بقية الأطياف السياسية والدينية اللبنانية هي بريئة من دم هذا “الصِدّيق” لبنان، وما وصل إليه من انهيار، فبديهي القول بأنّ المسؤولية مشتركة بين الجميع وإن كان بصورة نسبية، على أمل أن نكون قد ساهمنا من خلال هذا الجهد المتواضع، في إضاءة شمعة وعيٍ ولو صغيرة في ليل هذا الوطن الحبيب والمنكوب لبنان”.

السابق
بالصور.. احتفال بالذكرى ال 103 لاعلان دولة لبنان الكبير
التالي
هوكشتاين في بيروت.. جولة لقاءات و«قهوة ومنقوشة»