لودريان..و«اللعب» في الوقت الضائع!

جان ايف لودريان

إنتهت زيارة المبعوث الرئاسي الفرنسي الجديد – القديم جان إيف لودريان إلى لبنان، كما بدأت على ما يبدو ، إذ لم يرشح أي جديد يذكر عن هذه الزيارة بما يخص الهدف منها، ألا وهو المساعدة في تقريب وجهات النظر، لإنتخاب رئيس للجمهورية في محاولة لإنهاء الفراغ الذي يدخل شهره التاسع قريباً.

وإذا كان لودريان قد وسَّع مروحة مشاوراته هذه المرة، لتشمل الكتل النيابية المختلفة فضلاً عن الزعماء السياسيين في البلد، فلأنه على ما يبدو يود الظهور بمظهر الوسيط المحايد، هذه الصفة التي قد تكون أحد أهم أسباب تعيينه، لترك الإنطباع بأن فرنسا على مسافة واحدة من الجميع، بعد أن كانت قد وُصِمَت بأنها دخلت طرفاً في الصراع، عبر مبادرتها المعروفة بسلة فرنجية – سلام للحل، والتي لم تلقَ الترحيب من غالبية الأطراف السياسية اللبنانية، المسيحية منها بشكل خاص.

لودريان قد وسَّع مروحة مشاوراته هذه المرة لتشمل الكتل النيابية المختلفة فضلاً عن الزعماء السياسيين في البلد ليظهر انه الوسيط المحايد

هذه النتيجة المتوقعة على أية حال، خاصة وأنها الزيارة الأولى له بعد تعيينه، وقد أعلنها هو بنفسه “إستطلاعية”، تعكس عدم التوافق الإقليمي والدولي بعد، على شخص الرئيس وبرنامجه، ما بين الدول الخمس + إيران المعنية بالشأن اللبناني، وهذه الدول من الواضح أنها تنقسم إلى قسمين، الأول يضم ما يمكن أن يطلق عليه الدول المقررة عملياً – إذا جاز التعبير – وهي أميركا والسعودية وإيران، والثاني هي الدول المساندة وهي فرنسا وقطر ومصر، ودور فرنسا في الحقيقة كما أثبتت التطورات – حتى الآن على الأقل – لا يتعدى دور “البوسطجي”، وإن كانت تحاول أن تظهر بمظهر الدولة المقررة، وهذا طبيعي نظراً لعلاقتها التاريخية مع لبنان والمسيحيين خاصة.

إلا أن ما يُحدِّد الأدوار في السياسة ليست العواطف، بل قوة التأثير المنبثقة من الإمكانيات المتاحة لكل طرف، وإمكانيات فرنسا الحالية على أرض الواقع السياسي، لا يسمح لها بأكثر من دور مساند ويضعها – ربما – في المرتبة الرابعة من التأثير على مجريات الأمور في لبنان، وما يؤكد هذا الأمر – من وجهة نظري – أن زيارة لودريان التي جاءت بعد زيارة ولي العهد السعودي لفرنسا وإجتماعه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ترافقت كذلك مع بيان أميركي، بدا وكأنه يضع له خارطة طريق للحل عليه أن لا يتجاوزها، وهذا الموقف الأميركي لا بد وأن يكون منسقاً مع الجانب السعودي وغيره، من بعض أطراف اللقاء الخماسي.

في الوقت الذي يسعى كل طرف خارجي لقطف ثمار أي إتفاق يبقى لبنان وشعبه معلقان على صليب المصالح الإقليمية والدولية بهمة هذه “العصابة” الحاكمة

هكذا يبدو أن فرنسا وعبر موفدها الرئاسي لودريان، إنما “تلعب” في الوقت الضائع، وأن الحل هو في مكان آخر، قد يكون مسقط أو الدوحة مثلاً، وذلك عبر المحادثات الأميركية – الإيرانية، التي تتم بعيداً عن الإعلام، وهذا ما يبدو أن الطرف السعودي يدركه ويتعامل معه بواقعية وتفهم، وهو ما يفسر ربما الموقف السعودي “المحايد” نظرياً، الذي يعتبره البعض “تعففاً” عن التدخل، بينما هو في حد ذاته يمثل موقفاً صلباً من التطورات، بعكس الجانب الفرنسي الذي يدرك الأمر عينه، ولكنه يحاول إستباق هذا الإتفاق، بنسج علاقات وتفاهمات مصلحية، على الطريقة اللبنانية مع حزب الله في لبنان، حتى يكون له حصة من “الكعكة” متى دقت ساعة الحل، وهي سياسة بلا شك واقعية لكنها أقرب إلى “الإنتهازية”، التي لا تليق بتاريخ فرنسا في علاقتها مع لبنان، التي يجب أن تكون متوازنة، وغير منحازة لطرف على حساب الأطراف الآخرين.

إقرأ أيضاً: «الثنائي» يفتح «جمهورية الجنوب» امام الدولة..رفع الغطاء عن المصالح التجارية الطارئة!

في الإنتظار ، وفي الوقت الذي يسعى كل طرف خارجي لقطف ثمار أي إتفاق، يبقى لبنان وشعبه معلقان على صليب المصالح الإقليمية والدولية، بهمة هذه “العصابة” الحاكمة، التي يعمل كل طرف فيها كصبي مكتب – planton – لترتيب أوراق مكتب تصريف أعمال دولة خارجية ما، ليلتقط هو بعض الفتات على حساب الوطن والناس، ولكن بشعارات براقة يخدع بها البسطاء منهم، عبر مخاطبة غريزتهم الطائفية والمذهبية وتخويفهم من الآخر، كما سُرِّب مؤخراً وفجأة عن كلام منسوب لأمين عام حزب الله – ولم ينفِه أحد – عن مخطط كان يُعَد لتهجير الشيعة إلى جنوب العراق عام 2006، بشكل يذكِّر بالحديث عن مخططات التوطين وتهجير المسيحيين إبان الحرب الأهلية، والتي عادت لتطل برأسها اليوم بين الفينة والأخرى، تبريراً لتسويق طروحات سياسية تقسيمية كالفيدرالية، وغيرها من وسائل خداع الرأي العام التي تجيدها كل الأطراف.

السابق
الكرملين «يعفو قضائياً» عن قائد « فاغنر»..والاخير إلى بيلاروسيا!
التالي
مقدمات نشرات الأخبار المسائية ليوم السبت 24 حزيران 2023