ليس همي بناء أحزاب لبنانية جديدة، وان كان الامر يهم البعض فليفعل، لست ضد الأحزاب ولست اريد منع نشوء الأحزاب، ولا رغبة لي في قيام بلد دون وجود أحزاب فيها، لكن قيام حزب هو شأن الناشطين فقط، وليس شأنا وطنيا جامعا يهم الناس، وقيام أحزاب على شاكلة الأحزاب الحالية، والادعاء بانهم ادوات تغيير وقيادة للشعب اللبناني في مواجهة المنظومة، أمر لا يكتسب اي جدية.
لقد اجتمعت قبل الانتخابات النيابية بأغلب زعماء الأحزاب اللبنانية المنحازة للانتفاضة، وعرضت عليهم مبادرة كان اسمها ” ورقة، شبكة، صورة” وهي مبادرة كان الهدف منها الوصول الى ادنى درجات التنسيق والتلاقي، بين مختلف قوى ١٧ تشرين ومجموعاتها، لم تنجح محاولات التوحيد هذه، ما واجهته مع مجموعة من المبادرين كانوا يشكلون فريقا يعمل في هذا الإطار، من اجوبة تارة جوفاء، واخرى تعبر عن ذات متضخمة، وثالثة تتوهم ان النصر على المنظومة صبر ساعة، ورابعة حصرت بنفسها تقييم كل تجربة سياسية، وتوزيع شهادات النقاء الثوري، وافادات الادانة المختلفة بالتقليدية، والمهادنة، والوراثة السياسية، الى جانب كم هائل من الكذب والرياء والمعايير المزدوجة، والافق الضيق القروي المغلف بادعاءات ايديولوجية شديدة الحداثة، كل ذلك اعتبرناه انا والفريق المشارك بهذه المبادرة مسألة يمكن التعامل معها وتجاوزها.
كانت حركة التجدد على قياس نخب لبنان او صفوة هذه النخب ولم تكن على قياس الناس في كل لبنان لذلك ضعف حضورها برحيل رئيسها
لذلك حاولنا مرارا وتكرارا، ولم تتم اية وحدة الا في دائرة الجنوب الثالثة، في حين انه جرى في بعض الدوائر تخفيض التشرذم الى الحد الادنى، وحصره كما في الشوف وعاليه وفي المتن الشمالي… طبعا كانت جهات عديدة تسعى الى التوحيد والتنسيق وتعمل بشكل مواز لعملنا، ولم نكن نحن وحيدين في هذا المجال، لكن الوحدة بقيت استثناء والتشرذم قاعدة شبة عامة.
الغريب في هذه التجربة، انه في كل زيارة او لقاء كنا موضع ترحاب واستقبال جميل، وانفتاح لحوار يستغرق وقتا وصبرا، لكن المشترك في كل زيارة، كان عدم الاهتمام بقضية الوحدة، وفي اكثر الاحيان الرفض المضمر تارة، والعلني تارة اخرى لاي جهد توحيدي، لكن امرا مشتركا واحدا لمسناه لدى كل حزب او مجموعة اجتمعنا بها، وهو دعوتنا للالتحاق بحزبه او مجموعته، والمشاركة في نشاطات ينظمها لحزبه ويجمع من خلالها عشرات العناصر التي يحسب أنه بهم دون غيرهم يستطيع هزيمة المنظومة وإنجاز التغيير.
إقرأ أيضاً: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: لبنان بحاجة لإنجاز التغيير وليس لاستدرار الشفقة
كان الامر غريبا ويعكس خفة هؤلاء وغرور ذواتهم وانتفاخها، فانا الآتي من تجربة سياسية هي “حركة التجدد الديموقراطي” التي شكلت تجربة سياسية رائدة، على مستوى مختلف الملفات التي اعدتها في السياسات العامة، والاجندة السياسية الواضحة الهادفة التي نفذتها، كأهداف سياسية، والسلوك المدني العابر للانقسامات الطائفية والمناطقية، والمقاربات التحديثية التي صاغتها على صعيد حل مشكلة الهوية بين لبنانية رائدة، وعروبة حديثة فاعلة، وما قدمته للشأن العام من شريحة من القامات السياسية، تتصف بالاستقامة والنزاهة المالية والفكرية، كما قدمت رؤية ثقافية واقتصادية شاملة لبناء دولة حديثة…
كنت مضطرا لان اشرح لهؤلاء وبلغة هادئة ومتفهمة، ان تجربتي في حركة التجدد هي مصدر اعتزاز وفخر لي، ولست بصدد البحث عن تنظيم او حركة سياسية، ناشئة، يافعة ومبتدئة، وان ميزة حركة التجدد التفاضلية على بقية الحركات والأحزاب الأخرى، هي نقاؤها ونخبويتها، والميزة هذه شكلت عيبها ونقطة ضعفها.
كانت حركة التجدد على قياس نخب لبنان، او صفوة هذه النخب، ولم تكن على قياس الناس في كل لبنان، لذلك ضعف حضورها برحيل رئيسها، وخفت تاثيرها بعد انفراط عقد ١٤ آذار و بعد تفشي خطاب الشرذمة الطائفية، وشد العصب الطائفي والغرائزي.
لا ينخرط الناس، بشكل شامل ومكثف، في العمل والفعل السياسي الا في حالتين الاولى: الاستنفار الطائفي والاحتقان الغرائزي، الثانية الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي وتعذر سبل العيش.
في الحالتين المذكورتين لا تقوى الأحزاب النخبوية، على مواجهة تحديات المواجهة وقيادة الناس.. والمجال المنظم في هذه الحالات هي تشكيلات وائتلافات واسعة وجماهيرية.
في مواجهة دعوات زعماء الاحزاب الجديدة، الذين في أحسن سيناريو لنجاح أحزابهم، يمكن ان يصلوا الى جزء، مما وصلت اليه حركة التجدد من نجاح وانجاز، دون ان يستجمعوا طبعا كل ميزاتها… في مواجهة الدعوات هذه، تذكرت بائعي الكلسات في سوق اياس، قبل الحرب اللبنانية، الذين كانوا يحاولون إقناعك بشراء كلسات من بضاعتهم، ويزعمون انها احسن بضاعة في السوق، رغم علمهم ان العشرات من منافسيهم قد تبضعوا من نفس المعمل الذي اشتروا منه بضاعتهم…
الازمة في لبنان لا تتحدد بسؤال مفاده ؛ لاي حزب ننتمي؟! وهو سؤال نخبوي ضيق الأفق، ويحدث انقساما وتشرذما.
كيف نصنع من حراك الناس ومن رفض واقعهم في مواجهة ازمة الافقار والبطالة والهجرة وانهيار الدولة والخدمات العامة قوة تغيير حقيقية؟!
السؤال الإيجابي والبنَّاء هو كيف نصنع من حراك الناس ومن رفض واقعهم، في مواجهة ازمة الافقار والبطالة والهجرة وانهيار الدولة والخدمات العامة، قوة تغيير حقيقية؟!
الازمة تدفع الناس الى الشارع وابواب المصارف، وباحات محطات المحروقات، ومداخل المستشفيات، والعمل السياسي بينهم لا يتطلب لا تحريضهم، ولا شرح سوء اوضاعهم، بل فقط تنظيم فعاليات حراكهم، وتبويب مطالبهم وجدولة ايام معاركهم.
الحقيقة الاكثر اهمية هي انه اذا لم يجر توحيد الانتفاضة (وحدة صف) وصياغة اجندة سياسية (وحدة هدف) وخريطة طريق (آليات ومبادرات منسقة ومهمات ميدانية) فان التغيير لا يمكن ان يحدث
والسؤال الجوهري هو كيف ننجز التغيير، ونحدث تعديلا في ميزان القوى لهزيمة المنظومة؟ وكيف نصنع انتصار الناس وندافع عنهم؟ لا كيف ننشئ أحزابا تنطق باسمهم!
على قاعدة هذا الفهم والموقف قيمت ايجابا مبادرة ملحم خلف ونجاة صليبا، وكتبت مقالا بعنوان “ليس اعتصاما” تأييدا للمبادرة، لكن المبادرة يجب ان تكون منطلقا لمراكمة سلسلة من المبادرات التي توسع الحراك، وان تفتح المجال لانضمام قوى جديدة اليه، وتتوسع دائرته، ام ان تصبح حركة منقطعة تحتاج الى تبرير ودعم، وانقاذ فهذا محزن…
الحقيقة الاكثر اهمية هي انه اذا لم يجر توحيد الانتفاضة، (وحدة صف) وصياغة اجندة سياسية، (وحدة هدف) وخريطة طريق، (آليات ومبادرات منسقة ومهمات ميدانية) فان التغيير لا يمكن ان يحدث، وسينحسر تأثير الانتفاضة وتربح المنظومة وتنتصر الثورة المضادة.

