حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: هل تُعيد إيران فرض «قواعد الإشتباك» في العراق؟!

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

يبدو ان الخرق الاسرائيلي للمنظومة الامنية الايرانية، وصل الى مستوى متقدم، لم يعد بامكان القيادة الايرانية السياسية والعسكرية، صرف الانظار عنه او التعامي عن اثاره، والاخطار التي اوجدها، خاصة في السنتين الماضيتين، وما شهدته من تصعيد واضح في العمليات المتبادلة، بارجحية اسرائيلية، كانت مؤلمة ومحرجة ومتدحرجة، مرت بمحطات متعددة، كان ابرزها سرقة الوثائق السرية للبرنامج النووي، ونقلها الى تل ابيب، والاعتداءات المتكررة على المنشآة النووية في نظنز وكرج، والحملات السيبيرية ضد منشآت حيوية وتعطيلها، واستهداف ناقلات تجارية ونفطية، ومن ثم اغتيال رأس البرنامج النووي الجنرال محسن فخري زاده، ولاحقا الحديث عن اعتقال اكثر من 350 ضابط وعنصر من الاجهزة العسكرية، خاصة حرس الثورة، بتهمة التعامل مع اسرائيل، وصولا الى استهداف مصنع ومخزن الطائرات المسيرة في كرمانشاه قبل نحو شهر. 

لم يعد بامكان القيادة الايرانية السياسية والعسكرية صرف الانظار عن الخرق الإسرائيلي او التعامي عن اثاره

وعلى الرغم من العمليات التي اعلنت عنها ايران، كرد على ما تتعرض له من خروق اسرائيلية، في حرب استخباراتية وامنية مكشوفة، باستهداف بواخر في مياه الخليج وبحر العرب وخليج عمان والبحرين الاحمر والمتوسط، وحتى الحملات السيبرانية لبعض المؤسسات الامنية والتقنية والعسكرية، الا ان الاعمال الاسرائيلية، كانت اكثر ايلاما من نظيرتها الايرانية، في هذه الحرب المفتوحة.

وتختلف ردة الفعل الايرانية، على اي اعتداء او خرق اسرائيلي لمنظومتها الامنية والعسكرية والسياسية، تبعا لتأثيرات هذا الاستهداف على الاستراتيجية العامة للنظام التي تندرج تحت رؤيته لمصالح الامني القومي والوطني، ودور وموقع ايران على خريطة النفوذ الاقليمي.

الاعمال الاسرائيلية كانت اكثر ايلاما من نظيرتها الايرانية في هذه الحرب المفتوحة

وفي المقارنة بين الضربة التي تعرضت لها قاعدة حرس الثورة في الجنوب السوري، وادت الى سقوط اثنين من جنرالات الحرس برتبة عميد قبل اسبوع، وبين الضربة التي تعرضت لها قاعدة تصنيع الطائرات المسيرة بالقرب من مدينة كرمنشاه غرب ايران، المحاذية للحدود العراقية في اقليم كردستان، لا يمكن التقليل من اهمية اي من الضربتين، الا ان ردة الفعل عليهما، تختلف من حيث طبيعة كل واحدة منهما، والاليات التي تحكم اسلوب التعامل معهما، والرد على الجهة الفاعلة او التي تتحمل المسؤولية. 

الرد على عملية الجنوب السوري ضد الحرس، تتداخل فيه عوامل عدة، يدفع طهران لاعتماد خيار “الرد في الزمان والمكان المناسب”، على غرار تعاملها مع العمليات الشبيهة، التي استهدفت قواعدها وعناصرها على الاراضي السورية. فالرد الايراني محكوم بعدة عوامل ومؤثرات، ترتبط بالاطر التي تحكم علاقته مع الصديق الروسي، الذي يتقاسم معه السيطرة على الساحة السورية، والتفاهم بين الطرفين على ضرورة عدم تحويل الساحة السورية، الى جبهة مفتوحة للمحور الذي تقوده طهران، في صراعها مع تل ابيب، خاصة وان موسكو لم تتردد في تأكيد التزامها بالحفاظ على الامن الاسرائيلي. وايضا لعدم رغبة ايران في رفع مستوى التوتر، والسير على حافة الهاوية التي قد تؤدي الى حرب، لا ترغب فيها ولا تريدها، خاصة في اجواء المعركة التفاوضية التي تخوضها مع السداسية الدولية، لاعادة احياء الاتفاق النووي. فضلا عن ان تبادل الضربات بعيدا عن الداخل الايراني، يبقى مضبوطا بمحددات المصلحة الاستراتيجية، ويمكن التعامل مع اثاره النفسية والسياسية والامنية بآليات مختلفة، بما يساعد على ابقاء الساحة الداخلية والحدود الجغرافية معزولة عن تداعياتها، او لا تجعل هذه الجغرافيا ساحة للمواجهة المفتوحة وحرب مدمرة. 

الرد على عملية الجنوب السوري ضد الحرس تتداخل فيه عوامل عدة، يدفع طهران لاعتماد خيار “الرد في الزمان والمكان المناسب

واذا ما كانت الساحة السورية، ترتبط بالاطار العام للاستراتيجية الايرانية في الاقليم، ومن المتفرض ان تكون جزءً من الحرب االمفتوحة المؤجلة والمستبعدة، في حال فشلت كل جهود توظيف النفوذ في المنطقة، في تكريس الدور الاقليمي للنظام الايراني، في مواجهة الدور الاسرائيلي. فان عملية اربيل في اقليم كردستان العراقي، واستهداف مقر لانشطة جهاز الموساد الاسرائيلي، حسب الرواية الايرانية، باثني عشر صاروخا باليستيا دقيقا من نوع فاتح 110، تختلف في منطلقاتها وآلياتها، عن الخلفيات التي تحكم العمل في اي ساحة اخرى. 

عملية اربيل في اقليم كردستان العراقي، واستهداف مقر لانشطة جهاز الموساد الاسرائيلي، حسب الرواية الايرانية تختلف عن الخلفيات التي تحكم العمل في اي ساحة اخرى

قد تكون الضربة التي قامت بها المسيرات الاسرائيلية، التي انطلقت من كردستان العراق، باتجاه مصنع المسيرات الايرانية في كرمنشاه، موجعة لطهران ومؤسستها العسكرية، خاصة وانها جاءت في منطقة، تعتبر من اكثر المواقع الجغرافية تأمينا، لما تضمه من قواعد لاطلاق الصواريخ، سبق ان استخدمتها طهران في ضرب داعش في مدينة دير الزور السورية، وقاعدة عين الاسد الامريكية في الانبار العراقية. وقد تدفع القيادة الايرانية الى تقويم خياراتها في الرد او عدمه. الا ان التحدي الذي فرضته العملية الاسرائيلية، والتهديد الذي شكلته، يتخطى كيفية التعامل مع هذه العملية وآثارها او مسألة الانتقام، الى ابعاد اوسع واكثر تهديدا للامن القومي والاستراتيجي للنظام، لا تختلف عن التهديد الذي شكلته عملية الاستفتاء، على استقلال وانفصال الاقليم الكردي عام 2017. 

منذ الاستفتاء، بدأ الشعور الايراني، باقتراب التهديد الاسرائيلي من حدودها، يأخذ بعدا جديا حقيقيا، لذلك لم تتردد في الدخول المباشر في عملية افشاله، وكسر الارادة الكردية، لابعاد شبح انشاء دولة على حدودها، تملك تل ابيب النفوذ الاوسع والتأثير الاكبر، وقد تعمل لتحويلها الى منطلق، لتهديد الداخل الايراني ومعه المشروع الاقليمي لطهران. 

القيادات العسكرية الايرانية العليا، والمجلس الاعلى للامن القومي، المعبرة مباشرة عن موقف المرشد الاعلى واستراتيجياته، لم تتوقف عن توجيه التحذيرات للقيادة الكردية، من تداعيات الانشطة الاسرائيلية في الاقليم، ولم تتردد طهران في توجيه واستهداف بعض الاماكن، التي وصفتها بمقار للموساد في اربيل، كما حصل اواخر العام الماضي، انطلاقا من مبدأ درء الخطر على مصالحها القومية، وشعورها بان الساحة العراقية، او الحديقة الخلفية والمدخل لنفوذها الاقليمي، قد تحولت الى ساحة صراع بينها وبين النفوذ الاسرائيلي، الامر الذي يفرض عليها اسلوبا ونمطا جديدين من العمل، لمواجهة هذا النفوذ ومنعه من تحقيقه اهدافه باخراجها من هذه الساحة. 

بدأ الشعور الايراني باقتراب التهديد الاسرائيلي من حدودها يأخذ بعدا جديا حقيقيا لذلك لم تتردد في الدخول المباشر في عملية افشاله

وعليه فان الضربة الصاروخية لمقر تستخدمه الموساد، اسقط كل المحاذير الايرانية، في التعامل مع الساحة العراقية، خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها ايران، فيما يتعلق بحوارها مع العواصم الكبرى، لاعادة احياء الاتفاق النووي، وكذلك في تعاملها مع تداعيات الانتخابات البرلمانية، ومسار انتاج السلطة الجديدة في بغداد. فعلى الرغم من ادراك ايران ومنذ حراك تشرين، لتنامي حالة العداء الشعبي للدور الايراني، وحلفائه من الميليشيات العراقية، وان اي تدخل لطهران على الساحة العراقية، يواجه رفضا شعبيا وسياسيا، لم يسبق ان كان بمثل هذا الوضوح، الا ان ما تعتبره تهديدا لامنها القومي، القائم في بعده الاساس على النفوذ اللاقليمي، جعلها لا تقيم وزنا لاي ردة فعل عراقية، في ظل مساعيها، لاعادة تكريس قواعد الاشتباك بينها وبين تل ابيب من البوابة العراقية، وان هذه العملية جاءت بعد ان تجاوز الاسرائيلي الخطوط الحمراء، التي رسمت حدود المواجهات على الساحات الاقليمية، بانتقال الاعمال الاسرائيلية الى الداخل الايراني، انطلاقا من العراق، وهو تجاوز يتزامن مع دور كردي بقيادة مسعود بارزاني، واتهام ايران بدعم اسرائيلي خليجي، لاعادة صياغة العملية السياسية في العراق على حساب الدور والموقع الايراني وحلفائه.

فان الضربة الصاروخية لمقر تستخدمه الموساد اسقط كل المحاذير الايرانية، في التعامل مع الساحة العراقية خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها ايران

فهل استطاعت طهران اعادة فرض قواعد الاشتباك وفرض اراداتها في العراق، ام انه من المبكر الحسم بذلك بانتظار ما ستنتهي اليه عملية التفاوض في فيينا، وتداعيات الحرب الاوكرانية على الموازين الدولية؟ 

السابق
زيارة الى لبنان قريبا.. خط هوكشتاين مرفوض؟!
التالي
باسيل يهاجم المنظومة السياسية: «لو قبلتو معنا»!