ماتتِ الثّورةُ السوريّةُ في رواية ” يوم الحساب ” ، الصادرة ، حديثاً ، عن ” دار رياض الرّيّس ” في بيروت ، وفي طبعة أولى ، في أواخر العام 2021 .
ورواية ” يوم الحساب ” ، هي جديد الروائي السوري فواز حداد .
اقرأ أيضاً: خاص «جنوبية»: سويسرا ترسل «حافظة معلومات مشفّرة».. من يملك «كلمة السر»!
وهذه الرواية ، وبالنسبة لموضوعها الغَنيّ بدلالاته ، هي واحدة من أدبيّات الثورة السورية التي قامت ضد النظام الحاكم في ال2011 .
نَعيُ الثورةِ خِطاباً وحِكاية
ورواية ” يوم الحساب” لا تُعلِن موت الثورة السورية فحسب ، بل إنّ كامل مضمون هذه الرواية يشكّل ، وعلى مستوييّ الخِطاب والحكاية ( إعلاناً وإضماراً ) بيانَ نَعيِ هذه الثورة ، المؤلَّف من ستّة عشر فصلاً ( على مدى ما يربو على 360 صفحة من القطع المتوسط ) .
” يوم الحساب ” هي رواية موت الحدث العظيم
واللاّفِت أنّ صاحب هذا النّعي ، ( والذي هو راوي الرواية وأحد شخصيّاتها المحوريّة ) هو الذي كان ، في ما قَبلَ الرواية ، أحد كوادر الثورة السورية الأساسييّن ، الذين وُلِدت على أيديهم هذه الثورة . وراوي هذه الرواية ، هو ” مثقَفٌ شابٌ مغمور ” . ( ص 16 ) . وإسمه ، في الرواية ، هو حسّان ، وهذا الإسم هو إسمٌ مستعار ، وكذلك كل أسماء الشخصيات الأخرى في الرواية ، هي أسماء مستعارة ” إذ لا مبرِّر ليخسروا حياتهم من أجل الكتابة عنهم ” . ( ص12 ) .
ألرَّاوي المفجوعُ بثورته المغدورة
ونَعيُ الثورة السورية في ” يوم الحساب ” ، والذي نرى إلى الراوي يلهَجُ به مقهوراً ، ومتحسِّراً ، ونسمعه يُعلنه صارخاً وبصوتٍ عالٍ ، هو نَعيٌ يتّصف إعلانه بأنّه إعلانٌ فَجا ئِعيٌّ . فالراوي إذ يَنعىَ هذه الثورة ، فهو ينعاها من موقع المفجوع بها ، الأمر الذي يتجلّى في أكثر من مفصلٍ من المفاصل الحسَّاسةِ ل “يوم الحساب ” ، حيث نراه يرفُض ، رفضاً مطلَقاً وقاطعاً ، موتَ ” الثورة المغدورة ” ، على حدّ وصفه لها ، في ( ص 337 ) . وهذا الرفض ، هو الذي كان حافزه على الكتابة فلقد : ” … كانت ( الثورة ) تتماوتُ بالفعل ، خلّفت ملايين الضحايا من شهداء ومعتقَلين ومفقودين ومختطَفين ومعوَّقين ونازحين ولاجئين …ودمار حوّل مدناً وأريافاً إلى ركامٍ هائل . ما رأيته واطَّلعتُ عليه يعجز مشهدٌ عن احتوائه ، أو تصوّر مَشاهد أشدّ هولاً ، يستحيل التفكير فيها من دون الإحساس بالقهر المطلق ، وكأننا لم نستحق هذه الثورة العظيمة ، التي جاد بها الناس ، كنّا نطمح إليها ، ألأحرى القول إننا كنا عاجزين حتى أن نحلم بها ، كذلك المعارضة لم تكن أهلاً لها ، راهنَت على الأميركان والأوروبيين ، لم تمارس عملها في الداخل ، وتركَت الثورة للفصائل المسلحة المموَلة من الخارج ، وأضاعت بلداً كاد أن يتحرّر .
” يوم الحساب ” بوفائها الكبير وإخلاصها الكامل لمرجعها الحيّ / ألواقع المَعِيش
إذا كنتُ قد رغبت في القيام بعملٍ ، فهو الكتابةُ عمّا شهدناه ، وما اختزنّاه . ألكتابةٌ عنا نحن ، عندما كان الأمل حقيقياً ، والدماء حقيقيّة
، والموت حقيقة يومية ، شكلت نمط حياتنا . كنت أريد الخلوّ إلى نفسي لأستعيد وقائع عشناها ، لأدرك أنّ الثورة رغم أنها انهزمت ، كانت انتصاراً مؤلماً . كانت عظيمةً في عفويّتها وتلقائيتها وتضحياتها …” ( الصفحتان : 205 – 206 ) .
إعترافُ الشَّاهِد
لذا ، كان لا بدّ له من الاعتراف : فهذه ” …الثورة التي سنحت ، غُدِرَ بها ، وفرّط بها الجميع ، كما فرّطنا أيضاً بالشّهداء. ألثورة لن تتكرر قريباً ، وإذا حصلت فيما بعد ، ففي مستقبل لن نكون نحن شهوده . ” . ( ص 111 ) .
رواية ” يوم الحساب ” هي واحدة من أدبيَّات الثورة السورية التي قامت ضدّ النظام الحاكم في ال2011
وعلى ذلك ، فنحن أمام نَصٍّ روائيّ ، هو نَصُّ الرّاوي الشَّاهِدِ والكتابةِ الشَّهَادَةِ . شهادَةٌ تَروي ، سَرداً وحواراً ، مَشهديَّةَ ما بعد الثورة ، بِلُغةٍ بصريَّةٍ ( لاخطابيّة ) ، تُغَلِّبُ التركيز على زَمَنِ الحاضِرِ الرِّوائيّ ( ” ألآن ” ) ، أكثر من الإضاءة على زَمَنِ الماضي الرّوائيّ.
مُتَوَالِيةٌ حِواريَّةٌ هي رواية ” يوم الحساب ” ، إذ هي مشهديّةٌ حِواريّة دراميّة ، ذلك لأنّها مَشهديّةُ عَالَمٍ روائيّ ، حوَّلَ النِّظامُ الحاكمُ حياةَ أُناسِهِ ، إلى جحيمٍ لا يُطاق ، على أثر هزيمة الثورة . والراوي الشاهد ، هنا ، هو الشاهد على جحيميَّة عالمه الروائيّ ، هذا العالم الذي يسيطر عليه الرُّعبُ من جبروتِ النظام الحاكم وقَسوته تجاهه . ألأمر الذي دفع الراوي إلى العَزم على الرحيل إلى خارج سورية . ل ” النَّجاة من عالمٍ بات خَراباً ، إلى عالم أجِدُ مكاناً فيه . ” ( ص 206 ) .
أصلُ الحكايةِ
هذا ما عَزَمَ عليه الراوي ، وهذا ما يَقِفُنا على أَصلِ الحكايةِ ، التي تحكيها روايةُ ” يوم الحساب ” : وأَصلُ الحكايةِ ، متمثّل بوقائع ظروفٍ أَمنيَةٍ صعبة ، تحيط بحياة راوي الرواية حسَّان ، منذ ما وجد نفسه ، بعد انتهاء الثورة ، عالِقاً في مدينته ( مسقط رأسه ) دمشق ، منفيّاً داخلها ، يتملكه الخوفُ من الاعتقال ، الذي سؤدّي به ، حتماً ، إلى الإعدام ، لأنه ” مطارَدٌ من ثلاثة أفرعٍ أمنيّةٍ ، وربّما أكثر . ” ( ص 12 ) ، و” مسجَّلٌ في لوائح المطلوبين لدى جنود الدوريات والحواجز . ” ( ص 12 ) . ما اضطره لأن يعيش متخفياً ، منتحلاً اسم شابٍّ شهيدٍ ، من شهداء الثورة . وحسّان يستخدم هذا الاسم بكثير من الحيطة ، ويتنقّل ببطاقة الشهيد الشخصية ، لأنّ هذا الشهيد ما زال حيّاً في السجلاّت الرسمية . وبالرغم من أنّ حسّان ، قد فشل في محاولاته الكثيرة ، إقناع أخته سامية بالهجرة مع طفليها وزوجها المعتقَل ، الذي كان على وشك الخروج من السجن ، وأيضاً إقناع حبيبته رِيما ، بالهجرة ، فلقد رَبَط مصير رحيله ، بموافقتهما ، التي لبث منتظراً حصولها . فسامية قالت له إنها لن تحزم أمرها إلاّ بعد خروج زوجها من السجن ؛ بينما رِيما التي تربطه بها علاقة حُبٍّ منذ أكثر من تسع سنوات ، وهُما عاشا معاً أحداث الثورة ، وتشاركا فيها ، وكانا في طريقهما الى الزواج ، وهو ( حسّان ) لا يتصور الحياة من دونها ، وهي ( رِيما ) التي كانت ، وما زالت ، في الرّواية ، تمارس نشاطاتها الثورية السّرّيّة ، بصفتها كادراً نسائيّاً فعَّالاً في نشاطات الثورة ، وعلى مستويات عدّة ، رَفضت ، رفضاً قاطعاً ، المغادرة معه ، لأنها ما زالت تعتقد بأنه ما زال هناك ما تفعله من أجل الثورة .
هذا هو أَصلُ الحكايةِ
ونحن نشير إلى أنّ ما سنورده ، فيما يلي ، هو ليس تلخيصاً دقيقاً للحكاية ؛ بل هو محاولة تقديم إشاراتٍ دلائليّة ، تخدم الهدف النهائيّ الذي تريده هذه الرواية ؛ أو الذي سَعت إلى توصيله إلى قارئها .
المفاجأةُ التكوينيَّةُ
لكنّ حسّان ، وهو غارقٌ في غَمرات انتظاره واستعداده للسفر ، وقعت مفاجأةٌ كوّنت بداية الحكاية . فصودف أن تلقّى حسّان اتصالاً هاتفياً من صديقه المهاجر ( وهو من شباب الثورة أيضا ) ، ولقد حمل هذا الإتصال طلباً ، شكّل بداية الحكاية . إذ طلب منه صديقه هذا ، الإلتقاء بامرأةٍ قادمة من باريس إلى سورية ، لديها مشكلة في دمشق ، قضيَّةٌ إنسانية عادية . قال له إنّها سيّدةٌ سورية تحمل الجنسيّة الفرنسيّة ، تعمل أستاذةً جامعية في تاريخ الشرق الأوسط بجامعات باريس .وستصل خلال أسبوع ، وسيحدد له موعداً دقيقاً معها ؛ ورجاه مقابلتها والتعرّف إليها ، وأعطاه بعض أوصافها ، وأوصاه بألاّ يوفر جهداً في مساعدتها ، ولم يُعلِمه شيئاً عن مشكلتها ، أو المساعدة المطلوبة .
نحن أمام نصٍّ روائيّ هو نصّ الرّاوي الشَّاهد ِ والكتابةِ الشَّهادة
… والتقى حسان بهذه السيدة ، وفي لقائهما الأول عرف أنّ اسمها رحاب ، وأنّها جاءت لتستفسر عن شابٍّ كان أحد طُلاّبها ، فُقِدت آثاره في دمشق . والشابّ الذي جاءت تبحث عنه ( وبعد حصولها على عنوان أمّه ) ، إسمه ” جورج أيقوني ” . طالب سوري في جامعة باريس ، عاد إلى دمشق ، واختفى فيها قبل ما يزيد على ست سنوات ( من وصول رحاب الى دمشق ) .
رأسُ الكنيسةِ : ألرَّبُّ معنا
وبعد لقائهما الأول ، لم يستطع حسان ولم تستطع رحاب ( كلٌّ على حدة )، معرفة شيئٍ عن مصير جورج . فكان الحلّ الوحيد ، أن تلجأ أمُّ جورج إلى طلب المساعدة من الكنيسة في باب توما ، أي أن تطلب تَدَخُّلَ رأس الكنيسة ألأبّ جبرائيل ، الذي استجاب لشكوى أمّ جورج ، وحمل على عاتقه مهمة البحث عن إبنها . ووعدها بأنّه سيقوم بهذه المهمة عن طريق مخاطبته النظام في دمشق ؛ وفي الوقت ذاته ، كان حسان يحاول البحث عن صديقه الحميم سومر ( ألكادرُ الرفيع المستوى في الثورة ) فهو وحده الذي – وبصفته هذه – الذي يمكنه معرفة مصير جورج .
قصد الأب جبرائيل ( وعن طريق وساطة تاجر مجوهرات مسيحيّ ) ، عدة فروع من الفروع الأمنيّة للنظام في دمشق ، خرج منها خالي الوفاض ، وكان آخرها فرع المخابرات، حيث التقى ، هو وأمّ جورج ، في هذا الفرع ، ضابطاً برتبة عقيد . وهذا اللقاء لم يكن مخيِّباً لآمالهما فحسب ، في معرفة مصير جورج ؛ بل خرجا منه مذهولَين : ” يتعثّران في مشيتهما ” ( ص 315 ) . وعلى ما سمعاه من العقيد – الذي تخلل حديثه معهما ، قوله لهما بحدّة ” أنا عدُوُّ الأديان ” ( ص 314 ) – . علَّقت أم جورج مستغربةً :
” هل هذا المخابرات أم النظام ؟ ” .
” لاتسأليني ، يا أم جورج ” .
” بل أنا أسألكَ ” .
” إنّهما واحدٌ ” .
” أبونا ، أذا لم يكونوا ، فماذا يكونون ؟ لا تقل لي إنهم علمانيون ” .
لمعت في ذهنه ، ، همس قائلاً :
” لا ، يا ابنتي ، هؤلاء مجرمون ” .
ولأول مرة يرى ملامح القهر على وجهها ، فصرخ فيها يهيب بها أن تصمد : ” لا تبتئسي ، الرَّبُ معنا ” .
ألشَّهيد المَسيحيُّ / المُسلِمُ
هذا وأثناء ما كان الأب جبرائيل يبذل جهوده ، وكان حسان يحول معرفة مكان سومر ، خرج زوج سامية أخت حسان من السجن وبالرغم من ذلك رفضت سامية الهجرة ، وبقيت رِيما مصرّة على عدم الرحيل . وعن طريق رِيما تواصل حسان مع سومر ، بطريقة سرّيّة . قال له سومر : ” جورج أيقوني استُشهِد ( في دُوما ) بطلقة قنّاص . ” ( ص 321 ) .
وإلى تأثير الضغوط الثوروية والعاطفية ل رِيما على حبيبها حسان ، أُضيف التأثير الثوروي عليه أيضاً ، من قِبل سومر أثناء لقائهما ، فألغى قرار هجرته .
ولقد أتى سومر بفيديو يوثّق حادثة استشهاد جورج أيقوني . ولقد أصرّت أم جورج على مشاهدة الفيديو ، الذي أظهر أنّ إبنها مات مسلماً ، فلقد رَدَّدَ جورج مع لفظه أنفاسه الأخيرة ، الشّهادة الإسلامية : ” أشهد أنّ لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمداً رسول الله . ” ، التي أخذ يلقّنها له صديقه ( الشاب المسلم أحمد العمري ) الذي استشهد على أثره . وعندما دُفنا ، دُفنا في قبرٍ واحد ، في مقابر عائلة العمري ، وجورج دفن تحت إسم عمر العمري .
رَفَضت إسلامَ ابنِها
رفضت أم جورج ، إسلام إبنها ، كما رفضت دفنه في مقابر المسلمين . لذلك وعدها سومر بأنّه على استعداد لنقل جثمان جورج ، ليدفن في مقبرة مسيحية . وكان لا بدّ لأم جورج من أن تسأل الأب جبرائيل : ” أبونا ، هل يصح دفنه في مقابر المسلمين ؟” . ( ص 352 ) فكان الجواب بمعنى أنّه لامانع . لكنها صعَّدت شكواها فقالت : ” ليست عدالة ، أفقد ابني ، وأخسر جثمانه ” . فقال : ” لو نظرنا بمنظار الّرب ّ ، فالعدالة كاملة ، كل إنسان يُحاسَب على أفعاله ونيّاته . لايمكنني حسم هذا الأمر على أيّ نحو سيحصل ، ألحسابُ عند الرّبّ القدير واحد ، ولا خطأ فيه ” .
ثم سألته : ” لِمَ لايكون الحساب في الحياة ؟” .
فوجئ الأب جبرائيل هل تريد أن تقتص لابنها ، وممن ؟
” قد لاتكون عدالة في الحياة ، كما نتمنّى ، أو يُخيَّل إلينا ” . ( ص353 ) . ” يا أبونا ، قتلوا ولدي ” . ( ص354 ) .
لم تكن تعلمه بموت ابنها من جديد ، ما زال لديها ما تسأله إياه .
” ماذا عن العدالة ؟ ألا يصح أن تكون على الأرض ؟ ” .
نعم يصح ، أما لماذا ؟ فلا يدري .
” هذه مشيئة الرب ” . قال
فسألته : ” أليس للبشر مشيئة ؟ ” .
” يا ابنتي ، لم تكن مشيئته وحدها إلامن تقصير البشر ، كان بوسعهم ألاّ يكون بعضهم أعداء بعض … ” . ( ص 354 ) .
لم يكمل ، قلبه يتفتت حزناً من أجلها . ما الذي يقوله لها ؟ هذا الكلام أشبه بالعظة ، لا يقال لأمّ ، ولو تذرع بالرب .
رددتها ثانية : ” يا أبونا ، قتلوا ولدي ” .
يومُ الحسابِ الأرضِيِّ
أحسَّ بأنه يريد أن يقول شيئاً ، رغماً عنه ، ليس مخيَّراً فيه ، ولن يتلعثم ، يدرك مهما كان ما سيقوله ، فقد كان صوت الله :
” لاتظني أنّ يوم الحساب في السماء فقط ” . ( 355 ) .
لم يكن يتكلم عبثاً ، ولم تكن تسمع عبثاً ، سمعها تتنهّد بارتياح ، بينما عيناها معلّقتان على وجهه ، فلم يتأخّر عن إبلاغها ما أصبح مكلّفاً به : ” هناك يومُ حسابٍ على الأرض ، ثِقِي يا أمّ جورج ، فوق هذه الأرض ” . ( 355 ) .
وهذه هي ألقناعةُ التي تُضمرها الروايةُ ، وهي ما تودُّ أن تصل بنا إليهِ . فلقد ” اطمأنّت أم جورج إلى الحساب الأرضيّ ” . ( ص 355 ) . ثم طمأنها في مسألة دَفن ابنها : مدافن الطائفة مفتوحة لجورج ، لا تظنيني أمنعها عنه ، ماذا تقولين ؟ ” . ( ص 357 ) .
” أريدُ لقلبي أن يهدأ ” . قالت .
فقال : ” حسناً ، القرار قراركِ” .
” وإذا سألتُكَ النصيحة ” .
” أقول لكِ ؛ لاتقلقي رقاده ” . ( 358 ) .
أي يبقى جورج حيث دُفن في مقابر المسلمين .
رَمزٌ تَوحِيديٌ للثورةِ حَياةً ومَمَاتاً
طلبت أم جورج زيارة القبر، قبل نقل الجثمان الى مقبرة الكنيسة .
لكن ، عندما كشف الحفّارُ القبرَ – وكان قد مضى على دفن الشهيدين ، ما يزيد على خمس سنوات – ظهرت مشكلة تعرقل نقل جثمان جورج ، فالقماشُ الذي لفّ جسد كل من جورج وأحمد ، كان متهتكاً تماماً وبقايا الجثمانين اختلطت ببعضها ، والتعبير الدقيق لحالتيهما هو امتزاج كل منهما بالآخَر ، ولا يمكن تمييز جورج من أحمد ، هذا ما قاله الحفار وأردف ، لايمكن نقل جورج من دون نقل أحمد معه . ويقول الرّاوي في هذا الصدد : ” لم يكن في الأمر أيّة معجزة ، ولا دلالة خارقة ، إلاّ إذا تصوَّرنا أنها ترمز إلى الثورة التي وحّدت بين المسلم والمسيحي في الحياة والممات ، هذا إذا شئنا أن نخلع على هذه الحادثة معنىً ، رُبَّما للدِّعاية ، ما يدحض ادّعاءات النظام . ” . ( ص 359 ) .
شَهادةٌ تروي مَشهدِيَّةَ ما بعد الثورة السورية المغدورة هي رواية ” يوم الحساب “
ولقد قال سومر لأم جورج إنّ عملية عزل الرّفاتين لن تنجح حتى لو استعين بالكيمياء وعلم الجينات . فهمت أم جورج ما قاله على أنّ الأمر مستحيلٌ ، إلا بنقل رفات الجثتين بالكامل ، أو تركهما كما هما في المكان نفسه ، أي أنّ الحلّ ببقاء رفات جورج في قبور المسلمين ، أو باستضافة المسيحي لصديقه المسلم في مقابر الكنيسة … تعهّدت أم جورج بإقناع الأب جبرائيل ، وإذا لم يوافق ، فتلك مشيئة الرب ، وستقبل بالأمر الواقع …
قال لها الأب جبرائيل : ” يا أم جورج ، لن أجرؤ على الطلب من أم أحمد ألا يكون لها قبر تبكي عليه ” . فقالت له : ” وأنا أيضاً ، جورج وحيدي ” . ( ص 360 ) .
إزاء هذا الاستعصاء ، استدعى سومر أم عمر ( والدة أحمد ) . فقالت أم عمر ” اختاري يا أم جورج ، وأنا أقبل ” . ( ص 361 ) . وقفت أم جورج حائرة ، من فرط ما أرهقها عبء الاختيار … فبادرت أم عمر واختارت ، فأوصت أم جورج بابنها ، واستودعتها رفاته ؛ إنّ مقابر المسيحيين لن تضنّ عليه بقبر مع صديقه . لكنّ القرار لأم جورج ، تمثل بموافقتها على بقاء الرّفاتين في مقابر المسلمين .
إنّ رواية ” يوم الحساب ” هي رواية موت الحدثِ العظيم ، وهي تمتاز بوفائها الكبير ، وإخلاصها الكامل ، ل مرجِعها الحيّ / ألواقع المَعِيش .


