إنّ مبدأ التدخل السياسي الذي ابتدعته الولايات المتحدة الأمريكية، بحجّة حقّها في تغيير النظم السياسية بالقوة، يتناقض بشكل واضح مع قواعد القانون الدولي العام، وهذه القواعد تحرم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للدول.
ومع ذلك، فقد نزعت الولايات المتحدة الأمريكية- خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وتحول النظام الدولي إلى أحادي القطبية- إلى فرض سياستها بالقوة على المجتمع الدولي. والمثال البارز لذلك هو الغزو العسكري الذي قامت به ضدّ العراق، بما ترتّب عليه من احتلال ما زال قائماً حتى الآن، والذي أدّى إلى تخريب المجتمع العراقي وبروز الطائفية وسقوط العراق في براثن حرب أهلية طويلة المدى.
وما لبثت الولايات المتحدة الأمريكية أن أعلنت عقب غزو العراق مشروعها الشهير عن الشرق الأوسط الكبير، الذي زعمت فيه بأنّها ستفرض الديمقراطية فرضاً على الدول العربية، ومعنى ذلك أنّ حق التدخل السياسي يتضمن حقاً آخر منحته الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها، وهو حق التدخل الديمقراطي!.
والواقع أنّ هذا "الحق" يبرز "تناقضاً حداً"، فالديمقراطية- بحسب التعريف- تقوم أساساً على حرية الاختيار، فإذا فرضت فرضاً على الشعوب، لا تكون في هذه الحالة ديمقراطية، بل قد تكون- وهي كذلك بالفعل- فاشية مستترة.
كما أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لا تملك الحق أو الشرعية "بتدريس" الديمقراطية، لأنّها بكل بساطة- بعد أن مارست الاستعمار الجديد في عصر العولمة بغزوها المسلّح للعراق- ليست نموذجاً يحتذى للديمقرطية. من ناحية أخرى اعتدت الإدارة الأمريكية برئاسة الرئيس السابق جورج دبليو بوش على حريات المئات من المواطنين العرب بزعم شبهات تحيط بهم خاصة بالإرهاب، وتم خرق حقوق الإنسان في التعامل معهم، ويكفي في هذا الصدد أن نشير إلى معتقل "غوانتانامو" الذي يحتجز فيه المئات من العرب بغير تهم محددة، ودون أن يوفر لهم الدفاع القانوني، إضافة إلى الفضائح المخزية التي حدثت في سجن أبو غريب وباغرام وسواها من المعتقلات الأمريكية.
من ناحية أخرى، "قانون الوطنية الأمريكي" الذي أصدرته إدارة بوش يمثل اعتداء صارخاً على الشرعية القانونية، لأنّه خرق حقوق الإنسان الأمريكي واعتدى على الخصوصية باستراق السمع على المكالمات الهاتفية دون إذن قضائي، بالإضافة إلى جواز القبض على كثيرين منهم لمجرد الشبهة واحتجازهم لفترات طويلة دون أن يملكوا الحق برؤية محام.
وأخطر من كل ذلك، قوننت وزارة العدل الأمريكية "حق" سلطات التحقيق الأمريكية في تعذيب المتهمين بالإرهاب لاستنطاقهم والحصول منهم على اعترافات، على الرغم من اعتراض مراجع قانونية أمريكية رفيعة المستوى على هذا الخرق الفاضح للقواعد الأساسية للإجراءات الجنائية المقررة في كل تشريعات الدول المتقدمة.
ومع ذلك، لو تركنا هذه التحفظات جانباً وركزنا على عملية التدخل الديمقراطي الأمريكي في العالم العربي، لاكتشفنا أن من سيكلفون بإدارة هذه العملية مجموعة من المستشرقين الأمريكيين السطحيين الذين قد يقرؤون اللغة العربية، لكنهم جهلة جهلاً فاضحاً بالتاريخ الاجتماعي والسياسي للعالم العربي، والإدارة الأمريكية تعتقد وهماً أنّها باستقطابها لعشرات الشباب العرب وإلقاء بعض الدروس التافهة عليهم حول كيفية بناء الأحزاب السياسية، أو كيفية تنظيم المظاهرات والإضرابات، يمكن لها أن توجد قاعدة بين كوادر الشباب، تستطيع في الوقت المناسب أن تقوم بإشعال الفوضى غير الخلاقة في البلاد تحت شعار التحول الديمقراطي والدفاع عن حقوق الإنسان.
ولسنا نحن ولا العرب الذين نتهم خبراء وزارة الخارجية الأمريكية بالجهل المطبق بتاريخ منطقة العالم العربي وثقافتها وتراثها، لكنه الخبير الأمريكي الاستراتيجي المرموق "أنتوني كوردزمان" في تقاريره النقدية المتعددة التي كتبها عن الخيبة الأمريكية في العراق التي لا تعادلها سوى الهزيمة الأمريكية في فيتنام.
لقد قرر "كوردزمان" في أحد تقاريره المهمة، أن من خططوا في إدارة بوش، سواء كان ذلك في البنتاغون أو وزارة الخارجية لغزو العراق عسكرياً، لم تكن لديهم أية خطة حول ماذا سيفعلون بعد إتمام الغزو، أما النقطة الأكثر خطورة في الأمر، فقد تمثلت بجهلهم التام بالعراق شعباً وتاريخاً وثقافة، والدليل على ذلك الصدمة العظمى التي واجهت القوات المسلحة الأمريكية والتي ظنّ أفرادها أنهم سيستقبلون بالورود، باعتبارهم محررين، فإذا بهم يواجهون بمقاومة عراقية بالغة الحدة والعنف باعتبارهم غزاة.
وإذا عدنا مرة أخرى إلى المحاولات الأمريكية للتدخل الأمريكي في بلد مثل مصر- على سبيل المثال- سنكتشف بأن ساسة البيت الأبيض لا يعرفون شيئاً كثيراً عن تاريخ مصر السياسي ولا عن تاريخها الاجتماعي والثقافي.
وبغض النظر عن ملايين الدولارات التي ستنفق على هذا السعي الخائب، فإنّ الخطّة ستفشل ولا شك في ذلك، لأنّ التحول الديمقراطي لا بد له لكي يثمر أن ينبع من الداخل، وأن يقوده طلائع السياسيين والمثقفين العرب الذين أجادوا قراءة تاريخهم السياسي وتراثهم الديمقراطي، وهي مهمة لا يستطيع الأجنبي مهما كانت ثقافته أن يحققها، لأنّه في كل ثقافة هناك أبعاد خفية كامنة، خصوصاً في الثقافة السياسية، لا يدركها ويفهم شيفرتها المغلقة إلا أبناء البلد أنفسهم.
ترجمة: فداء داهود

