عندما يذهب نصرالله بعيداً في «دويلته»!

السيد حسن نصرالله
اذا كنا حسني النية، واخذنا قضية باخرة المازوت الإيرانية المزمع وصولها الى لبنان، على المحمل الحسن، واقترحنا تبريرا لها، بمعنى ان الأمين العام ل "حزب الله" السيد حسن نصر الله، قد احسن بكاهل المسؤولية، فبادر ولو بالقليل للتخفيف عن كاهل المواطن اللبناني، سنواجه بقرار التفرد، كون مؤسسات الدولة المعنية تعتبر الغائب الأكبر.

من الناحية الدستورية والقانونية، يمتلك السيد حسن الأكثرية النيابية، والحكومة تقريبا من لون واحد ورئيس جمهورية حليف وحليف جدا، فضلا عن ان رئيس حكومة ان لم يكن معه فهو ليس ضده، فلماذا اذن تفرد امين عام الحزب الإلهي، ولم يأخذ بالاصول المتبعة في استيراد النفط ومشتقاته؟.

فنحن بصدد فريق حاكم، وعليه تقع المسؤولية السياسية. وهذا هو المطلوب ان يحكم فريق سياسي وان يعارض فريق آخر. فتجربة الجميع في مركب حكومة واحدة، قد أدى الى شللٍ وتعطيل. 

لقد تعودنا في كل مواقف “حزب الله” ان لا يعطي جوابا شافيا لشيء، بل  كله في العموميات، ففي خطابه الأخير اصر نصر الله على التعميم، ناسيا انه في حلفٍ يحوز كل الاكثريات والسلطات الثلاث ، انما لم يجروء على القول الفصل، فلا يمكن ان نقبل منه التلميح لا التصريح، والا نحن في صددِ كلامٍ بلا مضمون. لا بل يجب ان لا نفقد التصويب السياسي السليم، فمن يحكم البلد معروفٌ وهو مسؤولٌ عما يحدث، وطبيعي ان يواجه الحلف الحاكم، بمن يحاول ان يعرقل برنامجه، وهذا من ضمن اللعبة السياسية. فالسياسة تُعرف على انها صراع، و من الطبيعي ان نجد قوى داخلية وخارجية يهمها فشلهم لالف سبب وسبب، انما ما هو ليس بطبيعي، ان يتحول المسؤولون الى مجرد مبشرين بجهنم الازمات، وتحميل الخصوم نتائج ما جرى، في الوقت ان من يملك القرار والسلطة معروف ويشار اليه بالاصابع مباشرة. 

نصر الله الذي يضع نفسه في موضع القادر في لبنان احرج حلفاءه بالباخرة الايرانية قبل أي فريق آخر

إن الفريق الحاكم يمتلك عناصر الارجحية لتطبيق برنامجه، وليحارب الكون ان أراد، وذلك من ضمن المؤسسات، والناس لاحقا لها ان تحاسبه إن فشل وتهلل له إن نجح، وله ايضا ان يعلن الحروب والمعارك، من خلال مجلس الوزراء كما نص الدستور. بيد ان ما جرى في الأيام القليلة الماضية شكل نقطة تحول خطيرة، دفع الى التساؤل الاتي: طالما ان نصر الله يملك كل شي في السلطة، لماذا لم يستشر حلفاءه ولم يستورد المحروقات وفق الأصول، بل تفرد بالقرار الخطير، الذي سيرتد على الداخل اللبناني بآفاق مجهولة، وردود فعل دولية غير مسايرة للبنان هذه المرة؟.

إقرأ ايضاً: «تمرد » سياسي على إستدعاءات البيطار..ودخان حكومي محتمل اليوم بعد «لقاء الخميس»!

فالخطوة تخضع لترتيبٍ جديد، في السياسة وفي التحالفات، فنصر الله الذي يضع نفسه في موضع القادر في لبنان، قد احرج حلفاءه بتلك الخطوة قبل أي فريق آخر، حتى وان استجلب السفيرة الأميركية في خطابه كعدو له، وان أصر على الحصار، في حين ان مفهوم الحصار وكل ما يتعلق به، لا ينطبق على الواقع اللبناني، ففي لبنان نقص في الأموال، وسوء إدارة، ومناكفات سياسية تمنع تشكيل حكومة التي هي بالأساس مطلب عالمي أساسي، كي يتعاون المجتمع الدولي مع لبنان في تطبيق الإصلاحات، وإعادة الأمور الى نصابها. فنحن وغيرنا قد خبرنا تاريخيا معنى الحصار، وهناك المثال العراقي، والإيراني، وحتى الروسي، الذي حُذف من نظام السويفت والتحويلات المالية، بعد ازمة أوكرانيا، فأين نحن من الحصار؟!!

المشكلة في لبنان وهي الصلة العميقة بمشروعٍ إقليمي يتجاوز سيادة الدولة ويعتبر ان مصير لبنان من باب تحصيل الحاصل

وللاجابة على هذا التساؤل تتوجب العودة الى الوراء، الى اصل المشكلة في لبنان وهي الصلة العميقة بمشروعٍ إقليمي يتجاوز سيادة الدولة، ويعتبر ان مصير لبنان من باب تحصيل الحاصل، ولا حاجة لان يسلك أي موقف سياسي يصدر عنه،  دروب المؤسسات الدستورية، طالما أن قرارات المواجهة ليست صناعة داخلية، وان أي عاقل يدرك  حقيقة، انه عند تجاوز حدود الدول، تصبح الأوطان مجرد ساحات، وتسقط فيها خيارات الدولة كمعبر عن الجميع وعن المصلحة الوطنية، وذلك لصالح الدويلة التي دائما تأخذنا الى خيارات كارثية. لقد ذهب نصر الله بعيدا في تلك (الخطوة السياسية الاستباقية) لا بل قد ذهب بعيدا جدا..

السابق
أسرار الصحف المحلية ليوم الخميس 26 آب 2021
التالي
بين «محتكر» و«محتقر»..المغردون يحسمونها: «القصة بدها رجال»!