منذ أن أصدر المصرف المركزي بيانه الشهير أمس بـرفع الدعم عن المحروقات وان اعقبه محاولات “تجميل” عبر بيان آخر والإجتماع المالي في بعبدا، دخلت البلاد في مرحلة جديدة لن تكون كما قبل إتخاذ القرار، لا سياسيا ولا إجتماعيا ولا إقتصاديا، نظرا لتداعياته الكبيرة على الاغلبية الساحقة من اللبنانيين. وليس من المبالغة القول، أنه لو تم إتخاذ هذا القرار في أي بلد غير لبنان، لكان أحدث ثورة شعبية تأكل أخضر الحكام ويابسهم، لأنه بكل بساطة يعني أنه يرمي شعبا بكامله في آتون جهنم، التي سبق أن وعد بها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبل عام مضى.
جواب ممثلي الاحزاب حول رفع الدعم هو انهم مع تطبيق قرارات صندوق النقد الدولي ولكنهم يصرحون للإعلام عكس ما يقولونه في الغرف المقفلة
في المقابل يروي أحد الدبلوماسيين الغربيين لـ”جنوبية”، أنه حين يسأل ممثلي الاحزاب خلال لقائه بهم عن رأيهم برفع الدعم، فكان جوابهم بأنهم مع تطبيق قرارات صندوق النقد الدولي بهذا الخصوص، ولكنهم يصرحون للإعلام عكس ما يقولونه في الغرف المقفلة”، و يضيف:” نتعجب من تصريحات بعض الوزراء، بأنهم يريدون محاربة كارتيلات تهريب وتخزين المحروقات، و هم من يحمون هذه الشركات و الكارتيلات، و التي يديرها أقاربهم، وهم يؤمنون لها التغطية السياسية والامنية، ولا يعطون للناس المحروقات إلا بالقطارة “.
هذا المشهد الذي يتحدث عنه الدبلوماسي الغربي، يؤيده الخبير الاقتصادي الدكتور محمود جباعي الذي يشرح لـ”جنوبية” أن “منذ فترة تجري محاولات لرفع الدعم بشكل تدريجي، ولكن من الناحية الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن رفع الدعم بشكل مفاجئ”، لافتا إلى أنه “في إجتماع المجلس الاجتماعي والاقتصادي، الذي ضم العديد من ممثلين عن معظم الاحزاب اللبنانية، تّم نقاش مسألة رفع الدعم، ووافقوا عليه”.
يضيف:”كخبراء إقتصاديين، أكدنا أنه لا يمكن رفع الدعم من دون تنفيذ آليات، تحمي القدرة الشرائية للمواطنين اللبنانيين، بدءا من تأمين النقل العام، مرورا بوقف الاحتكار والكارتيلات، وإلغاء الوكالات الحصرية وفتح السوق أمام الشركات، لإستيراد أوسع بأسعار أدنى، وإقرار خطة إصلاح الكهرباء لتقوية المعامل الموجودة، كي تتمكن من رفع إنتاجيتها إلى 12 ساعة، لتخفيف فاتورة المولدات الخاصة عن المواطن، بالاضافة إلى إقرار بطاقة تمويلية حقيقية، و ليس مجرد بطاقة إنتخابية تقر قبل أشهر قليلة من الانتخابات، كما يحصل اليوم مع الاحزاب السياسية”.
قرار حاكم مصرف لبنان هو خدمة لأصحاب الكارتيلات
ويرى جباعي أنه “قبل تنفيذ هذه الخطوات، فهذا يعني أزمة كبيرة لدى القدرة الشرائية للمواطن اللبناني، وسيولد إنفجارا إجتماعيا يهدد السلم الاهلي”، واصفا “قرار حاكم مصرف لبنان هو خدمة لأصحاب الكارتيلات، ولدينا معلومات أن هناك 80 مليون ليتر مازوت مخزنة من قبل هؤلاء الكارتيلات، وأكثر من 100 مليون ليتر من البنزين مخزنة من قبل هذه الشركات، التي إستوردت المحروقات على سعر دولار 1500 ليرة و جزء قليل منها على سعر 3900 ليرة “، ويشير إلى أنه “حين يتم التوافق على رفع الدعم، فإن المازوت والبنزين سيتوفر بكثرة في الاسواق، والمشكلة في التخزين و الاحتكار ، وقرار الحاكم يفيد هؤلاء الناس وزيادة الضغط على لبنان، لأهداف سياسية وهذا الامر سيأخذنا إلى مشاكل وكوارث إجتماعية وإنفجار حقيقي في الشارع “.
المواطن سيحتاج إلى نحو 3 مليون شهريا لشراء البنزين ونحو 3 مليون ليرة لدفع فاتورة الكهرباء
يضيف:”هذا أمر غير محتمل لدى أكثر من 70 بالمئة من اللبنانيين، لأن رفع الدعم كما يريد حاكم مصرف لبنان، يعني أن صفيحة البنزين سيبلغ سعرها أكثر من 300 ألف ليرة، و صفيحة المازوت أكثر من 280 ألف ليرة”، لافتا إلى أن “المواطن عندها سيحتاج إلى نحو 3 مليون شهريا لشراء البنزين، ونحو 3 مليون ليرة لدفع فاتورة الكهرباء هذا بالاضافة إلى إرتفاع نحو 60 بالمئة في كافة الاسعار المواد الغذائية”.
ويختم:”هذا امر خطير جدا، وعلى الطبقة السياسية أن تحسب حسابه جيدا، و سيأخذنا نحو كوارث لن تحمد عقباها”.

