لا شك ان ابراهيم رئيسي بما يلعبه من دور في هرمية النظام والسلطات الدستورية على رأس السلطة التنفيذية، وبما لديه من تجربة سابقة في الانتخابات الرئاسية التي خاضها ضد الرئيس الحالي حسن روحاني عام 2017، وخسرها لصالح روحاني بعد ان نال اكثر من 16 مليون صوت، لا شك انه يشكل الرهان الاول للتيار المحافظ والمرشح الاول والابرز له في معركة استعادة السيطرة على السلطة التنفيذية.
إقرأ أيضاً: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: قبر سليماني «ينتخب» الرئيس «رئيسي»!
هذه الحقيقة التي تعبر عن ازمة التيار المحافظ، في انتاج قيادات وشخصيات قادرة على تقديم خطاب سياسي، او احداث تغيير في الطبقة السياسية الممثلة لهذا التيار، وان اللجوء الى، او الدفع بشخصيات سبق ان مرت في تجربة انتخابية سابقة، او خضعت لميزان الرأي الشعبي يكشف عن حجم هذه الازمة، والى حد ما عدم قدرة على قراءة مزاج الشارع الشعبي في المجتمع الايراني، الذي يجد صعوبة في الذهاب الى خيار سبق ان فشل في تحقيق الهدف، اي وحسب المصطلح السياسي الذي برز على الساحة العراقية في السنوات الاخيرة ” المجرب لا يجرب”.
افضل استطلاعات الرأي تشير الى امكانية ان يصل حجم المشاركة الشعبية في الاقتراع الى 40%
وليس بعيدا عن القراءة الاجتماعية لمزاج الناخب الايراني، فان افضل استطلاعات الرأي وما فيها من مبالغة في التقدير، تشير الى امكانية ان يصل حجم المشاركة الشعبية في الاقتراع الى اربعين في المئة، من مجموع ما يقارب 59 مليون ونصف المليون ايراني يحق لهم الاقتراع حسب جداول وزارة الداخلية، ومن المتوقع ان يكون غالبية النسبة المتوقع مشاركتها من الشريحة الشعبية المؤيدة للتيار المحافظ. الا انها لن تصب في صالح رئيسي في صندوق الاقتراع، ومن المحتمل ان لا تتجاوز الاصوات التي سيحصل عليها رئيسي العشرة ملايين صوت، اي ان السنوات الاربع الماضية التي تفصل بين حصوله على 16 ميلون في مواجهة روحاني، ستتراجع الى حدود الرقم الجديد، الامر الذي يعني ان رئيسي غير قادر على حشد الشريحة الاجتماعية خلفه، بحيث تجعل من وصوله الى رئاسة الجمهورية عملية سهلة ومضمونه.
دخول علي لاريجاني على خط الانتخابات والترشح، يبدو انه لعب دورا اساسيا ومحوريا في زعزعة الرهانات، التي بنى عليها رئيسي والتيار المحافظ حظوظه الانتخابية والرئاسية، واثار حالة من النقمة داخل هذا التيار، لان خطوة لاريجاني نقلت ثنائية الصراع مع التيار الاصلاحي الى داخل التيار المحافظ، وما يعنيه ذلك من صراع على استقطاب الاصوات الشعبية المؤيدة له وتوزعها بين هذين القطبين، في وقت يحتاج هذا التيار ورئيسي الى حشد كل الجهود من اجل الوصول الى النتيجة التي يريدانها.
دخول لاريجاني على خط الانتخابات والترشح يبدو انه لعب دورا اساسيا ومحوريا في زعزعة الرهانات
ويبدو ان تأثير لاريجاني لن يقف عند حدود التيار المحافظ المتشدد، فهو قادر على اقناع شرائح واسعة تتخطى التصنيف المحافظ، لتشمل اليمين التقليدي واليسار المعتدل والتقليدي، بالاضافة الى القوى المعتدلة ومعها مجموعات من الاصوات الرمادية، ما يسمح له بان يكون منافسا حقيقيا بوجه مرشح المحافظين، ويشكل ازمة للقوى الاصلاحية التي تعاني من ازمة امتلاكها لمرشح قوي وقادر على احداث فارق، بالاضافة الى كونها – هذه القوى- غير واثقة من قدرة النائب الاول لرئيس الجمهورية المرشح اسحاق جهانغيري، بان يكون الطرف المنافس في ثنائية المعركة الانتخابية.
تأثير لاريجاني لن يقف عند حدود التيار المحافظ المتشدد ما يشكل ازمة للقوى الاصلاحية
وفي وقت يدخل لاريجاني السباق الرئاسي من دون طموحات، تتجاوز رئاسة السلطة التنفيذية لدورة واحدة من اربع سنوات او لدورتين من ثماني سنوات، وان يكون ممثلا للتفكير العقلاني والانفتاح والحواري، حسب الاطر التي حددها في برنامج الانتخابي، وتصب في السياق الذي يعمل عليه النظام في المستقبل، والتي تقوم على التعامل الذكي مع الغرب، والتعاون البناء مع الشرق، والأخوة مع دول المنطقة والتي تعتبر مجتمعة، الشرط الأساس للتقدم الاقتصادي والنمو الاقتصادي والمدخل لحل أزمات إيران الاقتصادية، بخاصة أن مرحلة الشعارات الرنانة والهروب من الإجابات قد انتهت.
يبدو ان “رئيسي” يواجه ازمة حقيقية تطال مستقبله السياسي، والطموحات التي تحركه باتجاه الوصول الى ما بعد رئاسة الجمهورية، وان يكون واحدا او الشخص الذي يمكن ان يكون محور التوافق ليكون خليفة لمرشد النظام. ولعل هذا الطموح هو الذي دفعه لاعلان دخوله السباق الرئاسي مستقلا، غير منتم او تابع لاي من القوى او التيارات السياسية، وان الدعم الذي يحصل عليه من هذه القوى خصوصا المحافظين، ما هي الا استحقاق له وتأسيس للدور الذي قد يلعبه في المستقبل، وشروط التوازن بين القوى السياسية في المجتمع الايراني، وان لا يكون محسوبا او في خانة اي من الاطراف او مدينا له في الوصول بشكل واضح.
يواجه رئيسي ازمة حقيقية تطال مستقبله السياسي والطموحات التي تحركه ليكون خليفة لمرشد النظام
من هنا، فان ارتدادات هزيمة رئيسي اذا ما حصلت، لن تقف عند حدود خسارة القوى المؤيدة له لمعركة استعادة رئاسة الجمهورية، بل قد تهدد مستقبله السياسي، وما يدور في كواليس السلطة من امكانية اعداده في السنوات المقبلة للعب دور مفصلي في هرمية النظام والسلطة. ما يعني ان هذه الهزيمة ستفرض عليه العودة الى السلطة القضائية ضعيفا، ومن دون الهالة التي صنعها لنفسه منذ توليه القضاء، او الذهاب الى العزلة السياسية، ما لم تتجمع الظروف والمعطيات التي قد تقنعه او تدفع للانسحاب لصالح احد المرشحين المحافظين، الذين يشكلون تحديا له برفضهم الانسحاب لصالحه او لصالح غيره، وبالتالي يتحول الى لاعب اساس، على غرار هاشمي رفسنجاني مع روحاني، في ايصال المرشح الذي يدعمه الى الرئاسة. وبالتالي الحفاظ على موقعه في دائرة القرار والتأثير فيه.

