لا يمكن التعاطي مع الذكرى الثالثة والاربعين لتغييب الامام موسى الصدر على أنها ذكرى رحيل رجل بقامة الامام المغيب، بل من زاوية أخذ العبر من سيرة ومنهجية رجل دين ساهم بشكل كبير في صناعة تاريخ الشيعة في لبنان وانقاذهم من كل براثن التقوقع والانزواء، من خلال عمله الدؤوب على ترسيخ فرادتهم كجماعة لها خصوصيتها اللبنانية التي عليهم مراعاتها والحرص عليها من خلال الدخول في منظومة الدولة اللبنانية، ولو أن لهم إمتدادات وتفاعل ديني مع أكبر مرجعيتين شيعيتين في النجف العراقية أو في قم الايرانية.
يتناول العلامة السيد علي الامين دور الامام الصدر الشخصي و السياسي و الوطني من خلال محطات عدة ساهمت في تكوين دور الطائفة الشيعية في الجمهورية الاولى و بعد الطائف، يقول لـ”جنوبية”: “برز الإمام الصدر في فترة السبعينات من القرن الماضي وقد تميز بالإنفتاح والعقل المتبصّر والقلب الكبير والرؤية المستشرفة للمستقبل. وبعد تغييبه اختلفت الأمور كثيراً خاصة على صعيد العمل السياسي بحيث عمل ورثة الإمام المغيّب على تحويل حركة أمل, التي أرادها أن تكون حركة رسالية ورسولية غير مرتبطة بطائفة معينة، إلى حركة ضمن طائفة واحدة وتابعة لمن لا يريد قيام الدولة بدلا من أن تكون حركة مساندة لقيام الدولة كما أرادها الإمام الصدر”.
اقرأ أيضاً: «جنوبية» استمزجت آراء علماء ومفكرين في ذكراه الـ٤٢: موسى الصدر.. أمام مغيب لا تغيب عنه شمس الوطن
يضيف:”في هذه الأيام وللأسف، أصبحت حركة أمل ضمن الجماعات التي تعيق قيام الدولة اللبنانية وأنخرطت في حروب داخلية كما حدث في السابع من أيار في بيروت والجبل، على الرغم من أن الإمام الصدر كانت شعاراته واضحة في الحرب الأهلية وهي أن من يطلق النار على دير الأحمر والقاع (وهي من قرى بعلبك المسيحية) فإنه يطلق النار على عمامتي وعائلتي وبيتي”.
ويسأل الامين”ابناء حركة أمل الذين أرادهم رساليين على مستوى الوطن : لو عاد الإمام الصدر هل يرضى أن تطلقوا النار على بيروت ؟ أن تهاجموا دار الإفتاء الجعفري في صور؟ هل يرضى أن تصيروا أداة إرهاب للقريب وللبعيد ؟ أين أنتم أيها الناطقون بإسم الإمام الصدر من الإمام الصدر ؟”، معتبرا أن “ممثلي الطائفة الشيعية اليوم قد رفعوا الحرمان عن أشخاصهم والدائرة الضيقة من أتباعهم دون رفع الحرمان عن الطائفة الشيعية والوطن كله كما كان شعار الإمام الصدر،قد أتخم الورثة بالمناصب وبالأموال بينما الطائفة الشيعية التي أوصلتهم لا زالت مهملة, فإزالة الحرمان عنها لم يتحقق منه سوى الشيء القليل جداً”.
ويشدد على أن “الإمام الصدر مدرسة ولسنا في معرض إستحضار قامته الممشوقة أو زرقة عينيه أو عباءته الطويلة مثلما يقولون في المهرجانات الخطابية التي تقام في مناسبة إستذكاره. إن الإمام موسى الصدر هو مشروع سياسي، هو دعوة لدولة المؤسسات والقانون على كل الاراضي اللبنانية”، لافتا إلى أنه “على الرغم من الروابط التي كانت تجمع الإمام الصدر بإيران (بإعتبار أنّ السيد موسى من مواليد إيران)، فإنه “كان قد رفض أن تكون للطائفة الشيعية أية علاقة بدول أخرى خصوصاً غير عربية ويقول أن الشيعة هم عرب مسلمون وأنه لن تكون لهم أي علاقات خارج الإطار العربي في المنطقة, خصوصاً إيران إذ لا تصح أن تكون هناك علاقة إلا من خلال الدولة وهذا ما يتماهى مع الشعار الذي رفعناه،وهو” لا يجوز أن تكون روابط المذاهب والأديان على حساب الأوطان “.
ويعتبر أنه “من الممكن لأي طائفة إقامة علاقات مذهبية مع شعب آخر في دولة أخرى لكن من دون أن يكون ذلك على حساب سيادة الدولة وعلى حساب الهوية الوطنية والإنتماء الوطني بل في إطار التعدد والثروة الثقافية للطوائف”، لافتا إلى أن”هذا التنوع وفق منظور الإمام الصدر هو نعمة في حين أنّ النقمة تكمن في المنطق الطائفي الذي يضع اللبنانيين في حالة صراع على إقتسام الحصص وليس في حالة تنافس إيجابي على بناء الوطن والدولة”. ويتابع:”العامود الفقري لمشروع الإمام الصدر الإصلاحي هو وجود دولة المؤسسات حيث الدستور هوالذي يحكم ويحتكم إليه الجميع. كما يتطرّق هذا المشروع إلى مسألة إلغاء الطائفية السياسية من النظام السياسي اللبناني، مع الإبقاء على العيش المشترك بين المسيحية والإسلام كصيغة ونموذج للتعايش في العالم وليس فقط في لبنان”، مشددا على أن “الإمام الصدر كان سباقاً في الإهتمام بإيجاد حالة من التوازن الإنمائي بين المناطق اللبنانية، فعلى الرغم أن الطائفة الشيعية في ذلك الوقت كانت مهمشة ومحرومة، تبنى الإمام الصدر مشروع الدولة. لذا وقف في وجه معظم الأحزاب والميليشيات الموجودة آنذاك والتي كانت قد إغتصبت دور الدولة في عدة مناطق لبنانية, كما دعا حينها الجيش للإمساك بالبلاد وذلك للحؤول دون أن تعم الفوضى بين أبناء الوطن الواحد”.
يشير الامين إلى أن “السيد موسى الصدر رأى في التشيع حركة فكرية وليست مذهباً معزولاً وأعتبر أن الشيعة جزء لا يتجزأ من مكونات الشعب اللبناني وقد وقف نتيجة لذلك ضد إرتباط الطائفة الشيعية بمشاريع خارجية مع تأكيده على أن الشيعة ليس لهم علاقة بإيران وليس من مصلحتهم أن تكون لهم علاقة بأي دولة خارج حدود وطنهم مشدّدا على أن أي علاقة من هذا النوع لابد أن تكون عبر الدّولة اللبنانية, كما دعا إلى تمتين علاقة الطائفة الشيعية بسائر الطوائف التي يتكوّن منها نسيج المجتمع اللبناني”.
ويرى أن من”أهم بنود “اتفاق الطائف” بعد وقف الحرب الداخلية هو بند حل الميليشيات ونزع سلاحها وبسط سلطة الدولة, وكان الثمن لحل الميليشيات هو إدخال قياداتها في السلطة, والذي جرى أنهم جمعوا بين الأمرين معاً, بين الثمن والمثمن. دخلوا في الدولة وأبقوا على ميليشياتهم كما أظهرت الأحداث لاحقاً في السابع من أيار عندما اجتاح حزب الله ومعه حركة أمل بيروت وأسقطا الدولة خلافاً لتعاليم الإمام الصدر .وهذا يكشف أنهم لم يكونوا يؤمنون بمنطق الدولة عند توقيع الإتفاق, ولو كان العكس صحيحاً, لكان حل الميليشيات حقيقياً, وقد أظهرت الوقائع أن قيادات الميليشيات, أمسكت بمفاصل الدولة واحتفظت بجيشها الميليشياوي, ولم تسمح للجيش بممارسة دوره.
وهذا يعني أن حركة “أمل” خالفت مشروع الإمام الصدر ببناء الدولة وخالفت أيضاً “اتفاق الطائف”. يشير الامين إلى أن “الانظار في الفترة الاخيرة الى اللبنانيين الشيعة وانطلقت مجموعة من التساؤلات حول الدور والانتماء والمستقبل والمصير داخل الوطن والمحيط، ومن هذه الاسئلة المطروحة اليوم سؤال: ما هو المطلوب من الشيعة حاليا؟”. يضيف:”هذا السؤال يجب ان يوجه في الحقيقة الى الواجهة السياسية في الطائفة الشيعية التي امتلكت القرار السياسي والعسكري فيها، لان عموم ابناء الطائفة الشيعية في لبنان لم يكن لهم رأي في ما وصلت اليه الامور وكانوا قد عبّروا عن آرائهم وتطلعاتهم منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي في محطات عديدة عندما اقتطع الجنوب اللبناني من الدولة اللبنانية واصبح تحت سلطة الاحزاب والتنظيمات”، لافتا إلى أنه “رغم الضغوط التي كانت تمارس على اهل الجنوب في تلك الفترة كانت اصواتهم ترتفع مطالبة بمشروع الدولة وبسط سلطتها الكاملة على الجنوب اللبناني وسواه من المناطق اللبنانية. وهم ـ اهل الجنوب ـ لم يختاروا قيادتهم السياسية والدينية الا لاعتقادهم ان هذه القيادات واحزابها يعملون على تحقيق مشروع الدولة الواحدة التي تنتظم فيها جميع الطوائف اللبنانية بما في ذلك الطائفة الشيعية التي آمنت بالعيش المشترك مع سائر الطوائف والذي تنبثق منه مؤسسة الدولة الواحدة التي ترعى الجميع وتكون المسؤولة وحدها عن الوطن والمواطن في مختلف نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها من الحقول والميادين التي تتولى شؤونها الدول في شعوبها واوطانها”. ويرى أن “الدولة ليست انعكاسا لرؤية ايديولوجية خاصة بطائفة او حزب او جماعة خصوصا في المجتمعات المختلطة والمتعددة كما هو الحال في لبنان البلد المتعدد الطوائف الذي تنبثق فيه فكرة الدولة وتنشأ من خلال عقد اجتماعي بين جميع الفئات تتكرس ميثاقا وطنيا يتجاوز الاطر الضيقة والنظرات الاحادية”، مشيرا إلى أن ” كل الطوائف اللبنانية التزمت بهذا العقد الاجتماعي المستمر بما في ذلك الطائفة الشيعية منذ قيامة لبنان، ولا يزال هذا الامر اساسا يحظى بإجماع اللبنانيين من كل الطوائف، وهو اليوم اكثر رسوخا وثباتا في نفوسهم وقناعاتهم وهم اكثر تمسكا به كثابت من ثوابت الوطن النهائي الذي لا يتبدل مهما تغيّرت الظروف وتبدلت الاحوال”. ويقول:”هذا الذي ذكرناه كان جزءا لا يتجزأ من مشروع الامام موسى الصدر الذي اعطته الطائفة الشيعية التأييد على اساسه لما فيه من تأكيد للوحدة الوطنية التي تتعاظم قوتها وتزدهر امكاناتها من خلال مشروع الدولة الواحدة ولذلك قال في 30ـ7ـ1978 (لا حل للبنان الا في اقامة الشرعية ولا شرعية الا بتذويب الدويلات ايا كانت صيغتها وشكلها وفعلها) وقد كان مشروعه في غاية الوضوح في شأن الانتماء الوطني والعربي للشيعة اللبنانيين والاندماج الكلي في مشروع الدولة الواحدة”. ويشدد الامين على أن “المطلوب من القيادات السياسية في الطائفة الشيعية اليوم ان يجسدوا مشروع الامام الذي يحملون لواءه وليس المطلوب ان يذكرونا بأقواله فنحن لا نريد الايقاع الصدري في الاقوال (كما يقول بعض الكتاب) ولكننا نريد ذلك في المواقف والاعمال”، مؤكدا أن “الامام الصدر لم يكن نشيدا او اغنية ذات ايقاع شعري وموسيقي وانما كان صاحب مشروع سياسي اراد من خلاله عودة الجنوب الى احضان الدولة اللبنانية المسؤولة وحدها عن الامن والدفاع عن الوطن، ويلفت إلى أن”هذه الدولة يشارك الجميع فيها من خلال المؤسسات الدستورية والقانونية التي تشكل المرجعية الوحيدة في البلاد في مختلف الشؤون والمجالات وهي الحكم في فصل الخلافات والمصدر الوحيد في اتخاذ القرارات. ومن داخل المؤسسات يتم العمل على اصلاح النظام السياسي وتطويره وصولا الى غاية الحماية والعدالة الاجتماعية”. يضيف:”الفرصة اليوم متاحة اكثر من اي وقت مضى لتحقيق هذا المشروع لوجود اهتمام غير مسبوق من الداخل اللبناني حكومة وشعبا بمشروع الدولة وبسط سلطتها الكاملة على الجنوب اللبناني وسائر المناطق اللبنانية”، داعيا إلى أن “يواكب هذا الاهتمام الوطني اهتمام دولي كبير يتمثل في ارسال قوات طوارئ دولية لتعزيز ومساعدة الجيش اللبناني في مهمة بسط سلطة الدولة وحماية البلاد من الاعتداءات الاسرائيلية وبذلك يتحقق مطلب الشعب بعودة الدولة سلطة وحيدة في الجنوب وتتحقق حماية البلاد من الاعتداءات الاسرائيلية حيث توجد ضمانات دولية من خلال وجود قوات الطوارئ الدولية ودورها الذي يمنع اسرائيل من تنفيذ اعتداءاتها وتحقيق اطماعها”. يلفت الامين إلى أن ” هذا المنع يتعزز من خلال تقوية الجيش اللبناني بالعدة والعدد، ولا شك في ان انضمام عناصر المقاومة الى هذا الجيش سيعطيه المزيد من القوة وليس في الانضمام الى الجيش الوطني والاندماج فيه تراجع عن الهدف المعلن بحماية لبنان”، مشددا على أن “ليس الانخراط في صفوف الجيش اللبناني تراجع عن المطالبة بقوة الدولة لان انضمام المقاومة القوية الى الجيش وسائر المؤسسات سيعطي الدولة المزيد من القوة في مختلف المجالات، وايضا ليس في انضمام المقاومة الى مؤسسات الدولة العسكرية وغيرها انتقاص من موقع حزب الله لانه لا ينضم الى الجيش والدولة من موقع المهزوم والضعيف لانه لا يزال قويا عسكريا وشعبيا وبذلك يكون ما لديه من سلاح منه واليه عندما يصبح جزءا من المؤسسة العسكرية”.
يختم:”هذا الامر يجعل حزب الله في الموقع الاقوى في الدولة ومؤسساتها والاكثر حظوة وتأييدا عند الشيعة وسائر اللبنانيين التواقين الى دولة واحدة طال انتظارها، يقوى بها جميع اللبنانيين وتقوى بانضمام الجميع اليها. وعندئذ يتحقق مشروع الامام الصدر بالدولة الواحدة التي ينضوي جميع اللبنانيين تحت لوائها ونؤسس بذلك لقيامة لبنان القوي في مواجهة الاخطار الخارجية والمتماسك داخليا وننطلق جميعا في عمل سياسي لتحقيق كل الاهداف لأهلنا الصابرين وشعبنا الصامد الذي يستحق الحياة الآمنة والمزدهرة.

