وماذا عن البيئة التي صنعت “الشيخ أسامة”

يفترض في العرب أن يكونوا أوّل المباركين لإدارة باراك اوباما بالإنجاز المتمثل بالتخلص من اسامة بن لادن. لكنّ الأهمّ من ذلك كله، يفترض بهم السعي إلى التعلّم من التجربة التي مروا بها بسبب اسامة بن لادن وأمثاله وألا يترددوا في طرح الأسئلة الصعبة التي تتناول البيئة التي أنتجت مثل هذه الظاهرة التي أساءت اليهم، بغض النظر عن الديانة التي ينتمون إليها، إضافة إلى أنها أساءت إلى كل المسلمين في كل بقعة من هذا العالم. متى تجرّأ العرب على طرح الأسئلة المحرجة المرتبطة بالبيئة التي أنجبت بن لادن وأمثاله وصنعتهم، يصبح هناك أمل في تلافي تكرار الظاهرة المرضية مستقبلاً. هل هناك ما يضمن تغيير البيئة بغية قطع الطريق على ظهور اسامة بن لادن آخر؟

ربما كان الدرس الأوّل الذي يمكن تعلّمه من قتل اسامة بن لادن أن الحرب على الإرهاب مستمرة وأن اوباما مصرّ على السير فيها إلى النهاية رغم من إعلانه في مرحلة معينة أن هذه الحرب انتهت. كل ما في الأمر أن الرئيس الاميركي الحالي شاء تمييز نفسه عن سلفه جورج بوش الابن. يتبين اليوم أنه يتابع تلك الحرب ولكن بطريقة مختلفة. لن يفلت أي مجرم من العدالة الدولية حتى لو احتاجت ملاحقته إلى عشرة أعوام أو أكثر. لا يمكن لأيّ إرهابي أن يبقى حراً طليقاً إلى ما لا نهاية. ستطوله يد العدالة عاجلاً أم آجلاً…
انتهى العالم من اسامة بن لادن الذي كان بعض الجهلة، أو على الأصحّ أشباه المتعلّمين يسمونه «الشيخ اسامة». كانت نهايته أكثر من طبيعية. حصد اسامة بن لادن ما زرعه. اسوأ ما في الأمر أنه انتهى على يد الأميركيين الذين لعبوا في الأصل دوراً أساسياً في صناعته وصناعة أمثاله.

الأكيد الآن أن هناك من سيترحم على اسامة بن لادن داعياً إلى دوام الخط الذي التزمه، بدليل الموقف الغريب الصادر عن «حماس». إنه خط قائم على الكراهية ورفض الآخر قبل أي شيء. إن رفض الآخر هو ما برر لبن لادن القتل على الهوية والانقلاب على كل القيم التي يدعو إليها الدين الحنيف. المؤسف أنه وجد أتباعاً له في كل أنحاء العالم لا همّ لهم سوى الترويج للكراهية وصولاً إلى تنفيذ غزوتي نيويورك وواشنطن في العام 2001. اولئك الذين سيترحمون على اسامة بن لادن يعرفون أن مصيرهم مرتبط باستمرار «القاعدة» وجرائمها والوجه البشع الذي يظهر عبره العرب والمسلمون في العالم. بين هؤلاء عرب وغير عرب وإسرائيليون كانوا يرون في اسامة بن لادن أفضل حليف في حربهم على السلام في الشرق الأوسط وعلى الفلسطينيين تحديداً. أقام العرب وغير العرب من عشاق اسامة بن لادن حلفاً سرّياً معه سمّي في العلن جبهة «الممانعة». لا همّ لهذه الجبهة سوى القضاء على كل أمل في السلام مع التركيز على تشجيع الأحزاب المذهبية من أجل تفتيت المجتمعات العربية من الداخل. أكمل هؤلاء العرب وغير العرب على طريقتهم ما باشر به اسامة بن لادن الذي قسم العالم إلى فسطاطين على طريقة بوش الابن. أما الإسرائيليون، على رأسهم بنيامين نتانياهو فإنّهم، بغض النظرعما يقولون في العلن، فقدوا في اسامة بن لادن حليفاً استراتيجياً مهماً كان يوفّر عليهم بذل أي جهد من أي نوع كان في اتجاه الإقدام على أي خطوة تصبّ في تقدّم عملية السلام مع الجانب الفلسطيني. هل هناك من يريد أن يتذكّر أن ارييل شارون استغلّ العمل الإرهابي الذي ارتكبه اسامة بن لادن واتباعه في الحادي عشر من سبتمبر 2001 كي يضع ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني في الإقامة الجبرية مانعاً إياه، بتواطؤ عربي، من حضور قمة بيروت في مارس من العام 2002؟ اعتبر شارون نفسه شريكاً في الحرب على الإرهاب التي أعلنها بوش الابن وقتذاك. وفر له الفلسطينيون الذين نفذوا عمليات انتحارية في إسرائيل فرصة لرفع شعار غياب الشريك الفلسطيني.

ذهب «أبو عمّار» ضحية اسامة بن لادن. بقي أسير «المقاطعة» في رام الله حتى وفاته في العام 2004. إلى اليوم لا تزال القضية الفلسطينية تعاني من فكر بن لادن ولا يزال الاحتلال الاسرائيلي يتسلح بهذا الفكر الانتحاري لتبرير رفضه التفاوض الجدي مع الجانب الفلسطيني.

لم يتغيّر شيء حتى يومنا هذا. لا يزال الشعار الذي يرفعه الإسرائيليون نفسه. الفارق أن العالم العربي كله يتغير، بما في ذلك الإسلام السياسي. يبدو أن الحكومة الحالية في إسرائيل لا تريد أخذ العلم بذلك. رهانها على أن فكر بن لادن سينتصر وأن لا أمل في تطور «الإخوان المسلمين» الذين خرج فكر «القاعدة» من رحم فكرهم. رهانها لا يزال على فكر «حماس» التي دانت عملية التخلص من اسامة بن لادن وأظهرت مرة أخرى أنها متواطئة مع الاحتلال الإسرائيلي وأن همها محصور في تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني وليس تحقيق حلم قيام الدولة المستقلة…

من الملفت أن الثورات العربية لم ترفع شعارات تدعو إلى الكراهية ورفض الآخر. لم يكن هناك شاب عربي واحد يحرق علماً أميركياً أو يدعو إلى رمي اليهود في البحر. يعرف الثوار العرب من تونس إلى ليبيا مروراً بمصر وسورية والجزائر أن مشكلتهم مع حكامهم أوّلاً وأن القاء المسؤولية على أميركا ممارسة لعملية هروب إلى أمام ليس إلاّ. من الواضح أن قتل بن لادن ياتي في وقت هناك ثورات على كل نوع من أنواع الفكر المتحجر، بما في ذلك فكر «القاعدة». إلى أي حدّ ستنجح هذه الثورات في التخلص من هذا الفكر؟ الجواب أن الكثير يعتمد على مدى قدرة «الإخوان المسلمين» على التطور والانتقال من مرحلة الحزب الديني المتزمت الذي يراهن على إثارة الغرائز، حتى لو تطلب ذلك التحالف سراً مع إيران، إلى الحزب الليبيرالي القادر على الانفتاح على كل ما هو حضاري في هذا العالم. ما يدعو إلى بعض التفاؤل أن «الإخوان المسلمين» في تركيا، على رأسهم رئيس الجمهورية عبدالله غولّ، لم يجدوا حرجاً في إبداء ارتياحهم إلى التخلص من بن لادن، علماً أن التخلص من رجل لا يعني في الضرورة التخلص من الفكر المتخلف الذي وجد من يعتنقه في مناطق مختلفة من العالم!

السابق
الانباء: ميقاتي لوّح بحكومة “أمر واقع” فهدد عون بالنزول إلى الشارع
التالي
السياسة: إيران حولت مسجداً في قلب دمشق مركزاً لمساعدة النظام السوري في القمع