ماذا تفعل السعودية في لبنان؟

يحلو لفؤاد بطرس أن يروي أن وزيراً سابقاً اعتاد أن يسأله تكراراً في الزمن السابق: تُرى، ماذا تريد سوريا من لبنان؟ وكان الدبلوماسي العتيق يجيبه في كل مرة: كله، وما يتبقى منه أيضاً (le tout, et le reste encore). السؤال نفسه يقفز إلى الأذهان اليوم، حيال سلوك السعودية في بيروت: تُرى ماذا تريد من السنّة اللبنانيين؟ وماذا تفعل بهم وبالآخرين في وطنهم وبوطنهم؟

يكفي لفهم دواعي السؤال استعراض المأزقين اللذين دفعت الرياض ناسها إليهما في بيروت، حكومياً وبرلمانياً.

على الصعيد الأول، لاحت للسعودية في آذار الماضي فرصة لتصحيح موازين القوى التي اختلت لغير مصلحتها منذ انفراط عقد الـ«س ــ س» في كانون الثاني 2011، فسارعت إلى استغلالها. جاءت بوليد جنبلاط وطلبت منه التلاعب بنجيب ميقاتي، فاستقال المسكين على وقع وعود موفدي المختارة وتطمينات بعبدا، ليستفيق لاحقاً خاسراً أرض طرابلس وجنة الحكم، فاقداً أصدقاءه وغير مسترض للخصوم. بعدها تابعت الرياض مبادرتها، ففرضت تمام سلام لتكليف الحكومة. وافقت الثنائية الشيعية، وانفرجت معالم المشهد الحكومي. أطل السفير السعودي عبر شاشة حزب الله، وبدا أن ربيعاً لبنانياً يتبلور. فجأة أعطت الرياض أوامرها: لا وجود لحزب الله في الحكومة العتيدة، ولا تمثيل نسبياً للقوى المقبول مشاركتها فيها. بعدها تبين أن السبب مركب؛ فمن جهة أولى لا سقف إقليمياً لانطباعات الانفراج لبنانياً. بمعنى أن لا حلحلة على خط طهران الرياض، فيما الأخيرة بالغت في تقدير تفوقها، كما أفرطت في تقويم ما اعتبرته خسارة الفريق الآخر، فولد المأزق الحكومي. وهو مأزق يفترض بالعاقلين مقاربته انطلاقاً من قواعد منطقية واقعية. فمحاولة إقصاء حزب الله أو عزله لبنانياً مطروحة عندنا على الأقل منذ عام 2006. وهو ما ظهر في خروج الشيعة من حكومة السنيورة الأولى. ثم في محاولتين مماثلتين مع حكومة السنيورة سنة 2008، ومع حكومة سعد الحريري بعد انتخابات 2009. وفي المحاولتين أهدرت نحو تسعة أشهر، قبل أن يقتنع المعنيون باستحالة عزل حزب الله. فهل يمكن تمام سلام أن يحقق اليوم، في ظل الموازين الراهنة، ما عجز عن تحقيقه السنيورة والحريري في ظروف أفضل؟ وخصوصاً أن فرصة أكيدة، لكن أخيرة، تلوح الآن، في ظل التموضعات الجديدة لكل القوى السياسية، بحيث لم يعد هناك فعلاً فريقان متقابلان، ولا وسط مزعوم بينهما. وبالتالي فتشكيل حكومة الآن وفق نسبية الأحجام، لا يمكن أن يؤدي إلى تكوين ثلث معطل ثابت لأي كان. وكلام نبيه بري أنه لم يعد يفاوض حكومياً إلا باسمه وباسم حزب الله، كلام كبير وجدي وحقيقي. وليس تمثيلية بينه وبين ميشال عون، كما يحاول البعض التسويق والزعم. لا بل هو كلام مفتوح على كل الاحتمالات، وعلى عمق التموضعات والاصطفافات، لمن يعرف أعماقها تلك. وفي كل حال، إذا لم تتلقف السعودية هذه الفرصة، وتسمح لفريق سلام بالتقاطها، فمن يكون الخاسر الأكبر في استمرار شلل السرايا الكبيرة؟

أما نيابياً، فبات واضحاً كما أثبتت الوقائع وأشارت إليها هذه الزاوية قبل أيام، أن انقلاباً سعودياً حصل على الموقف السنّي المتعاون مع نبيه بري قبل أسبوعين. كان مكتب المجلس (بغياب أحمد فتفت) قد وضع جدول الجلسة، وكان نائب حريري قد تقدم باقتراح التمديد للعسكريين، لا شمول فيه لأشرف ريفي، وكانت عبرا إنجازاً للجيش. فجأة، هبّت رياح الانقلاب السعودي، فباتت الجلسة غير دستورية وغير ميثاقية، وبات ريفي شرطاً، وعبرا صارت دير ياسين أو حتى حلبجة، علماً بأن أصحاب هذا الكلام يدركون هشاشته وضحالة منطقه. لكن نتيجته مأزق برلماني بعد المأزق الحكومي. فإلى أين تريد السعودية الذهاب بالسنّة؟ ومن يربح إذا بلغ المأزق حد إعادة النظر في النظام؟ وماذا تربح هي تحديداً إذا انتهى عنوان الطائف؟

قد يكون الرهان السعودي مفهوماً، وإن غير مقبول قطعاً، في حالتين: إذا كانت الرياض لا تزال تعتقد بسقوط بشار الأسد، بما ينهي حزب الله لبنانياً، أو إذا كانت تعتبر أن تمايز ميشال عون سيذهب حتى قلب الموازين. وفي الأمرين وهم مطلق (مع صلة لاحقة لهذا الشق من البحث).

طبعاً، ليس بإمكان هذا الكلام أن ينكر حقيقة التوتر في الشارع السنّي، وعمق إحساسه بتهميش أو إقصاء. ففائض القوة الشيعية بات مقلقاً للشيعة أنفسهم، فكيف بالآخرين، وكيف في ظل انفصام سنّي، بين بدرهم في المنطقة وخسوفهم في بيروت! لكن يبقى السؤال مطروحاً، على السعودية ثانياً، وعلى زعامة السنّة اللبنانيين أولاً، حول كيفية معالجة هذه الإشكالية. وفي هذا السياق، ثمة كلام قيل عن تجربة مماثلة، يستحق التكرار. فمثل السنّة، هناك قبيلة أخرى من قبائل هذا المكان _ الكيان، واسمها المسيحيون، أحست في مرتين سابقتين بالخوف والإحباط. الأولى بعد اندلاع حرب عام 75، والثانية بعد الاجتياح السوري سنة 1990. في المرة الأولى، قررت قبيلة المسيحيين أن ترد خوفها بالتخويف، واستفرادها في الداخل باستقوائها بالخارج. فواجهت العنف بالعنف، ومجيء سوريا بالذهاب إلى إسرائيل، ولو برجل واحد من الجماعة، حتى انتحرت وساهمت في نحر البلاد. في المرة الثانية، واجهت إحباطها بالحفر بالإبرة في جبل وصاية سورية معززة بمباركة سنية ورضى شيعي وحبور درزي. حاربت عازليها بإصرارها على مد الجسور معهم، لا على قطعها، وعلى سلمية النضال، لا على عنفيته. حتى كان اللقاء مع وليد جنبلاط، ومع حزب الله، وأخيراً مع الحريري بعد اغتياله، فولدت لحظة إنقاذ وطن سنة 2005… قبل أن يهدروها جميعاً.

على السعودية أن تختار اليوم بين النموذجين. وعلى الزعامة السنية في لبنان، لبنان أولاً، أن تكون حاسمة في خيار التلاقي، مع ميشال عون ووليد جنبلاط وحتى مع حزب الله. إلا إذا كانوا يرون في طاولة مجدليون تجسيداً لكل الوطن، عندها ألف مبروك!

السابق
سلام مرتاح للاصطفافات الجديدة
التالي
نصر الله وحزبه سيشعران قريبا بعزلة أكبر