المشهد في لبنان يزدحم بالرؤساء. الرؤساء "الرسميون"، للجمهورية والبرلمان ومجلس الوزراء. الذين "كانوا"… الذين يحتفظون باللقب، "الرئيس فلان…"، ويكون قد مضى على رئاستهم سنوات، وأحيانا عقود، على فشلهم أونجاحهم، لا فرق. المهم انه علينا ان لا ننسى رئاستهم. فضلا طبعاً عن الرؤساء الحاليين. وهؤلاء يمكن ان يكونوا،فوق رئاساتهم الرسمية، زعماء في طوائفهم، راهنين أيضا وسابقين. و"الزعامة" هي بمثابة الرئاسة، والتي تكون أحيانا اقوى من الرئاسة الرسمية. من جَمع الرئاستين، أي الرسمية والطائفية، كُتب له المجد. ولكن يبقى الزعماء الآخرون على طوائفهم، هؤلاء لا يقلّون رئاسةً. منهم "القوي"، الصاعد أو الراسخ، ومنهم قليل الحيلة. ولا واحد منهم تموت رئاسته. قد تضعف، قد تنام، هذه الرئاسة، أو تتضاءل. ولكن يمكن ان تنبعث من جديد، بروح الفَنْيق… ولا يقبل دعاتها أقل من الزعامة، ولو بما يثير السخرية. أي انهم هم أيضا رؤساء، أو بمثابتهم.
هذا عن الرؤساء "الزمنيين" للطوائف ومن يمثلونهم في الدولة. اما الرؤساء الروحيين، فأمرهم لا يختلف. انهم اصحاب السماحة والقداسة والنيافة… هم باللغة الروحية المعتمدة الساهرين على ضمان طريقنا الى المريحة الى الآخرة. ولكنهم، بما انهم يتعاطون لغة الدنيا فوق ذلك، ولهم في شأن السياسة ما للزمنيين، فهم بالتأكيدرؤساء، أيضاً. الاستثنائيون من بينهم تخلوا، وهم أحياء، عن هذه الرئاسة، وخصصوا بقية عمرهم للتأمل والصلاة. اما الغالبية فرئاستها لمدى الحياة، ترافق عادة عمر الرئاسة الطائفية الزمنية، التي ترنو الى الخلود.
بعد ذلك، تأتي ترسانة الأمناء العامين لأحزاب دينية وعلمانية. منها يقدسهم انصارهم دينياً، باصراريعتمد التكرار. ومنهم من يسيجون كينوينته بقدسية غير دينية، صارخة في معظم الأحيان. منهم البكوات ومنهم الأئمة ومنهم الامراء ومنهم الشيوخ. أضِف الى هؤلاء المنشقين عنهم، الذين لا يرضون بأقل من أمين عام آخر، أو رئيس آخر، على رأس حزبهم المنشق. والاثنان، الأساسيون منهم والمتفرعون عنهم، رؤساء الى الأبد، ايضا. جميعهم تسبق أسماءهم ألقابهم المهيبة هذه، المؤكّدة على رئاستهم. ولا تنسى نوابهم، "نائب الأمين العام"، "نائب الرئيس"… أو "القيادي" في الحزب الفلاني. فضلا عن "الكاريزما"، الموزعة بالعدل بين الجميع.
في المشهد العام، يقف صفين طويلين. الأول متصدّر له؛ انهم الوزراء والنواب الحاليون. يسعون للبقاء هنا،متصدّرين، وهذا من طبيعة وظيفتهم التي تكبّدوا من أجلها بكل جوارحهم. اما الصف الذي في خلفهم، فهم الوزراء و النواب السابقين، وعددهم كبير… وهؤلاء، من شدّة مرارة ابتعادهم عن الجنة، لا يتمسكون شيء قدر تمسكهم بلقب "السابق"، "الوزير" أو "النائب السابق". قد يكون مرّ على تخلي السلطة عنهم عقود من الزمن،ولكنهم باقون على هذا "السابق". والاثنان، الراهنين والواقفين خلفهم من السابقين، رؤساء في بيئتهم الضيقة أو المتوسطة. عليك ان تراقبهم، ولن تضجر…
لن نطيل اللائحة، في المجتمع المدني خصوصا، حيث الرؤساء لا يحصون، وإن كانت تظلماتهم تضعهم على جوانب المشهد. المهم النتيجة. انك اذا اضفت الى كل هؤلاء لائحة النجوم المعبودين، فسوف تعجب:
هل الرؤساء في لبنان اكثر عددا من المرؤوسين؟ ام يتساوون؟
كيف يُحكم لبنان بهذا العدد الانشطاري من الرؤساء؟
ماذا يفعل المواطن "غير الرئيس" أمام هذا الحشد من الرؤساء الذين يحكموه ولا يحكموه؟
هل يتجاهلهم وينعزل؟ أم يتفاعل معهم، ويتشبّه بهم، بصفتهم رموز النجاح، ويصبح، هو ايضا، رئيسا؟
فيندمج في الجهنم الذي هو فيه الآن، حيث كل لبناني هو "رئيس نفسه"؟

