بشَّار الدنيا والآخرة

إذاً نحن إعتبرنا أن نقطة القوة الفاعلة في الموقف المتمسك بعدم المرونة من جانب الرئيس بشَّار الأسد هي في إصطفاف الحكم الايراني من أمامه والحكم الروسي من ورائه، فإن الإصطفافيْن ليسا من أجل نظامه وإنما من أجل الاَّ يفقدا سوريا تلك الورقة التي من دونها لا يملك الحكم الروسي حضوراً في المنطقة العربية، وأما الحكم الإيراني فإنه من دون سوريا يصبح متقطع الأوصال خصوصاً في حال إنتهى أمر المعارضة السورية إلى تسلُّم الحكم وبدأت مرحلة الثأر من «حزب الله» الورقة البالغة الأهمية للحكم الإيراني.
وعند التأمل في الموقف المعلَن من «حزب الله» إزاء الانتفاضة السورية وكذلك موقفه العملي نرى انه يساعد النظام السوري من خلال إرسال مقاتلين يخوضون جولات ضد المنتفضين من «جيش حر» وفصائل اخوانية وسلفية. كما انه على صعيد الداخل يساعد في الإلتفاف على اي محاولات تستهدف إتساع رقعة التأييد الشعبي للإنتفاضة وقطْع الطريق على أي عمليات لوجستية أو تسلل من معادين للنظام إلى الداخل السوري. هذا إلى ان «حزب الله» هو العين الساهرة على حركة المغادرة والقدوم عبْر مطار بيروت لأفراد سوريين مرموقي المناصب المدنية أو العسكرية ينشقون ويأتون إلى بيروت للمغادرة لكن عين «حزب الله» الساهرة لا تيسر لهم الأمر في شكل أو آخر. وإلى ذلك هنالك مدَّخرات السلاح التي في حوزة الحزب والتي بسبب تجميد عمليات المقاومة ضد إسرائيل تنفيذاً لوجود قوات الـ «يونيفيل» لا تُستعمل، توفر عند الطلب للنظام السوري ما يحتاجه، مع ملاحظة ان هذا الكم الهائل من مدخرات السلاح هو من أفضال الرئيس بشَّار على الحزب وبصرف النظر عما إذا كانت هذه الأفضال من المخزون السوري أو إن سوريا كانت نقطة التجميع للسلاح الآتي من ايران والتسليم بعد ذلك لـ «حزب الله» عن طريق آمن بقي غير محفوف بالرصد والمخاطر والتدمير أو المصادرة حتى الأشهر الخمسة الأولى من الإنتفاضة. وما نشير إليه في موضوع السخاء السوري المباشر أو غير المباشر من كل أنواع السلاح وصولاً حتى إلى الطائرات من دون طيار، سبق ان تأكد مراراً من جانب المرجع الاعلى في «حزب الله» وعلى الملأ في إطلالات متلفزة للسيد حسن نصر الله.
وما نريد قوله هو إن هذه النصرة من «حزب الله» ليست للرئيس بشَّار كشخص وإنما لسوريا كما هي في العين الإيرانية أي بما معناه إن الشخص هنا ليس ورقة قوة وإنما الورقة هي البلد وفي حال تطور الأمر العربي – الدولي – الإقليمي إلى جولة مقايضات فإن الرئيس بشَّار لا يعود موضع متمسكين بشخصه. لا الحكم الروسي ولا الحكم الإيراني ولا بالتالي «حزب الله» يتمسك كل من الثلاثة به. وقد يكون الثلاثة في صدد البحث عن خليفة وتأهيله إذا أمكنهم ذلك.
في ضوء هذا الإحتمال يجوز التساؤل: إذا كانت هذه هي لعبة القوى وهي حقيقية في أي حال، فما الذي يجعل الرئيس بشَّار يرتضي ذلك وينفِّذ لهذه الأطراف إرادات ليست على الإطلاق لمصلحة شخصه وتاريخه وطائفته وحزبه والأهم من ذلك لسوريا الشعب والوطن. وما الذي يجعله يرتضي تحويل نفسه إلى رئيس يؤتمر ويخوض غمار مواجهة غير محسوبة ولم تحسمها الطلعات الجوية والأرضية الصاروخية التدميرية، مع ملاحظة ان في إستطاعة المنتفضين إحداث تغيير نوعي في طبيعة المواجهة ولمصلحتهم في حال تأمنت لهم الأسلحة المتقدمة ومن دون حاجة إلى الضربات الجوية من طائرات أطلسية.
ونقول ذلك على أساس ان نظام الخدمة العسكرية الإجبارية المعتمَد في سوريا جعل من كل مواطن أدى الخدمة ولا بد أن يؤديها، يتقن إستعمال السلاح على أنواعه أي ان الأمر لا يحتاج إلى دورات تدريب لعناصر معارضةلكي تخوض القتال ضد النظام، وإنما الحاجة فقط إلى السلاح المتقدم، الذي في حال وصول شحنات منه ستجد من يستعملها ويتقن إستعماله ويحقق أفضل النتائج على أساس، وكما أشرنا، إن كل سوري يتقن إستعمال نوع ما من السلاح أو هو قادر على قيادة آلية دبابة كانت أو مصفحة والتصويب المتقن من مدفعها. وإلى ذلك أوضحت السنة الثانية من الإنتفاضة أمراً مهماً يتمثل في كثرة حالات إنشقاق العسكريين ومن رُتب عالية الأمر الذي يعني ان الجيش العقائدي ليس تجربة مأمونة خصوصاً إذا أخترقت هذه التجربة حالات من التمييز لجهة الطائفة أو عدم التقدير. وسيتبين ذات يوم مدى الدوافع للأمرين معاً في حدوث تلك الإنشقاقات.
من أوراق اللعبة أيضاً ان الفلسطينيين بركنيهم الأساسييْن «فتح» و«حماس» باتوا مثل روسيا وايران و«حزب الله» تعنيهم سوريا وليس نظامها العابر في نظرهم، أي بما معناه انه إذا كانت نهاية المطاف هي إنصراف نظام الرئيس بشَّار وتسلُّم المعارضة على تناقضات أطيافها دفة الحكم فإن الجانب الفلسطيني لن يأسف لذلك الإنصراف وسيبني علاقة مع الآتي. وإلاَّ فما معنى ان «حماس» في الحضن القطري من دون أي تحفظات وما معنى ان يصوِّت الرئيس محمودعباس مع المصوِّتين لمصلحة إجلاس معاذ الخطيب في المقعد الذي كان يجلس عليه الرئيس بشَّار وهو كان سيجلس لو إرتضى المبادرة العربية التي سبق ان تم عرضها عليه لكنه لم يلتقطها. وبدل ان يكون لاعباً سياسياً عربياً فإنه إرتضى ان يكون ورقة ضغط لمصلحة الغير. وهو بذلك ينطبق عليه مع بعض التعديل القول إنه سيخسر الدنيا من دون ان يربح الآخرة. أعانه الله على مواجهة الآتي الأعظم.

السابق
دور الشباب والنساء أساسي في مكافحة الفساد والطائفية
التالي
العثور على عبوة ناسفة في خلة الفوار