مصر تحترق، والربيع العربي رماد. هي تحترق في مواجهة الدولة الدينية التي صادرت ثورة الدولة المدنية على الدولة الأمنية. وهو مرشح، كما يأمل ويعمل الثوار، للخروج من الرماد مثل طائر الفينيق في الأسطورة. ومحكوم، كما تخطط التيارات الدينية، بأن يصبح مجرد ذكرى عابرة في ميدان التحرير. فلا أولوية لدى الإخوان المسلمين تتقدّم على سياسة التمكين لسلطة الإخوان التي جاءتهم من حيث لم يحسبوا بعد ثورة ٢٥ يناير، ومن حيث حسبوا لتوظيف علاقاتهم السرّية مع أميركا التي رعت تحالفهم مع العسكر. ولا شيء أخطر على مصر والعالم العربي من هذه السياسة التي يشتد التمسّك بها بمقدار ما يتكشف ويزداد العجز عن ادارة شؤون الناس والبلد.
ذلك ان المعارضة تطالب الرئيس محمد مرسي بما لا يريد ولا يستطيع بعدما ساهمت في انتخابه بناء على تعهدات عمل بعكسها: ان يكون رئيساً لمصر وكل المصريين، لا مندوب مكتب الإرشاد في القصر. فهو يعرف ان الثمن هو المشاركة في السلطة والوفاق الوطني في المجتمع، والتخلي عن فرض الدستور الإخواني المرفوض وقانون الانتخاب الإخواني المرفوض ومجلس الشورى اللاشرعي والحكومة الهزيلة، والمسارعة الى معالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمادي البائس. وهم يعرفون ان أخونة الدولة والمجتمع هي الطريق الى حرب أهلية، وان القمع هو الوسيلة الضرورية لسياسة التمكين.
والواقع ان سلطة الاخوان التي انكشفت حقيقتها بسرعة قياسية مارست من القمع والخداع خلال تسعة شهور أكثر مما مارسته سلطة حسني مبارك خلال ثلاثين عاماً. فهي اصطدمت بالقضاء وشباب الثورة والأقباط والأحزاب والتيارات القومية والعلمانية والليبرالية وبعض التيارات الدينية. أرضت قيادات الجيش العليا بالحفاظ على الامتيازات. ودفعت رجال الشرطة الى مواجهة المتظاهرين والذين أعلنوا العصيان المدني في بورسعيد ومدن القناة بالرصاص والغاز المسيّل للدموع، بحيث سقط من الشهداء والجرحى بعد الثورة أكثر من الذين سقطوا خلالها. وحين أعلن رجال الشرطة الاضراب والتمرد على وزير الداخلية الذي جاء به مرسي، أعطى النائب العام لميليشيا الاخوان سلطة اعتقال المتظاهرين تحت عنوان الضبطية القضائية للمواطنين.
وكل ذلك بالاتكال على دعم أميركا المطمئنة الى التزام الاخوان معاهدة السلام مع اسرائيل. لكن القمع لم يعد ينفع بعدما استرد المصريون حريتهم وجعلوا أخونة الدولة والمجتمع مهمة مستحيلة. فكيف اذا كانت الطبعة هي الاسلام السياسي الأميركي؟ وكيف اذا كان تجديد الثورة والتمسك بالعروبة قدر مصر وخيارها على الطريق الى مستقبلها ومستقبل العرب؟ وكيف اذا كان العجز كبيراً عن معالجة الوضع الاقتصادي الخطير؟

