صيدا ستلفظ ظاهرة الأسير الغريبة عن نهجها

كثرت في الآونة الأخيرة المخاوف من تسلّل الفتنة المذهبية إلى لبنان من بوابة ما يجري في العالم العربي، وعلى وجه الخصوص في سورية، وتنتشر في هذا المجال الكثير من الشائعات والأخبار التي ما أنزل الله بها من سلطان في بعض المناطق وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، الغرض منها تغذية النعرات الطائفية وصبّ الزيت على نار الاحتقان المذهبي الذي بلغ منسوباً عالياً في الآونة الأخيرة.
يجري كل ذلك بالتوازي مع الانقسام الداخلي والخطاب السياسي الحاد حيال غالبية الملفات المفتوحة إن كان ذلك على المستوى الداخلي أو على صعيد المشهد الإقليمي الراهن، وهو ما يبعث على الخوف من أن يُترجم ما يجري سياسياً واقعاً في الشارع فتنفلت الأمور من عُقالها ويقع لبنان ساعتئذٍ في المحظور.
لكن وبالرغم من بعض المحطات اليومية غير المريحة، وبالرغم من المعطيات التي تملكها أكثر من جهة أمنية تتعلق بمحاولة البعض إثارة المشاكل في الداخل اللبناني لأغراض مشبوهة، فإن مصادر وزارية تقلل من أهمية ما يجري تداوله، وهي تضع هذا الأمر في إطار سعي بعض الأطراف المدفوعة من الخارج لإثبات وجودها، ولكي تظهر للجهات التي تمولها وتشكل لها غطاءً وإن في الإطار المحدود أنها قادرة على الإمساك في الشارع حيث هي، وأنه في مقدورها خلق واقع من الممكن أن يلبي رغباتها.
وفي الوقت الذي لا تنفي فيه المصادر وجود هواجس ومخاوف من توتيرات أمنية متنقلة، فإنها تضع ذلك في خانة «غب الطلب» وأن هذا الأمر لن يصل إلى حدّ تفجير أمني واسع النطاق، حيث أن المعطيات المتوافرة في هذا الشأن لا توحي بأن عناصر التفجير الكبير متوافرة لا على المستوى الداخلي ولا على المستوى الخارجي، إذ أن التصريحات التي تطلق على لسان عدد من الدبلوماسيين العرب والأجانب تُجمع على أن الاستقرار الداخلي في لبنان ما زال خطاً أحمر، ومرد ذلك ليس حباً بلبنان بقدر ما هو محاولة لإبقاء لبنان في منأى عما يدور حوله كي لا يخطف الأنظار ويُبعثر الصورة التي ترسم على مستوى المنطقة.
وتنحاز مصادر سياسية متابعة إلى جانب ما تذهب إليه المصادر الوزارية، حيث تؤكد أن العناصر المطلوبة لزرع بذور الفتنة المذهبية في لبنان ما تزال غير متوافرة لأسباب متعددة يأتي في مقدمها أن أي فتنة تحتاج إلى طرفين لتصبح واقعاً وهذا ما يبدو معدوماً حتى هذه اللحظة، ويعبّر عنه من خلال إدارة حزب الله الطرف الرئيسي المستهدف الأذن الطرشاء لكل ما يطاله وهو يتعامل مع الوقائع ببرودة أعصاب لامتناهية لعلمه اليقين أن الانجرار إلى مثل هذا الأمر سيكون وقعه قاسياً ومريراً على الجميع، وبما أن الحزب قدّم الغالي والنفيس في سبيل تحقيق ما تحقق من إنجازات فإنه في غير الوارد الانزلاق باتجاه ما يطيح بهذه الإنجازات تلبية لرغبة «إسرائيلية» ـ أميركية وبعض الجهات العربية.
وباعتقاد المصادر أن الاستعراضات التي يقوم بها الشيخ أحمد الأسير، والمحاولات المستميتة لاستفزاز حزب الله وفريق الأكثرية ستبقى معدومة النتائج، لا بل إن بوادر انقلاب السحر على الساحر بدأت تظهر من خلال تململ الشارع الصيداوي من تصرّفات الشيخ «الطارئ» على المدينة، والتي بدأت تفعل فعلها على مستوى التردّي الاقتصادي، حيث أن بعض المحال الكبرى في المدينة بدأت تشكو من تراجع منسوب المبيع نتيجة المخاوف من أي رد فعل يمكن أن يحصل على الخطوات التي يقوم بها الأسير وجماعته في صيدا.
وتتوقّع المصادر أن تواجه الأعمال المستغربة من الشيخ الأسير بمواقف حادة وربما بخطوات في الشارع رفضاً للواقع الجديد الذي هو غريب عن نهج مدينة صيدا التي تُعرف ببوابة الجنوب أو بوابة المقاومة حيث أن الأعمال البطولية التي قام بها أبناء صيدا في مواجهة «إسرائيل» ما تزال ماثلة أمام الجميع، وأنه لا يمكن لأي جهة مهما كانت عظمتها أن تغيّر وجه هذه المدينة النموذجية في العيش المشترك وفي الولاء للقضايا العربية.  

السابق
خمس سنوات… رئاسية 
التالي
المواجهة المذهبية من بيروت إلى بغداد!