الأسبوع الماضي، قرّر خمسة شبّان التوجّه إلى المنارة بهدف "شمّ الهوا"، لا أكثر ولا أقلّ. حملوا أنفسهم ولا شيء آخر، واتّجهوا إلى النقطة الموعودة. هناك، كعادتهم وعادة الآلاف يوميّاً، شربوا القهوة ودخّنوا السجائر. ما اختلف أنّ الشبان جميعهم من عرسال. لهذا، ولأنّ قصّة بلدتهم ما زالت طازجة، شكّلت الحادثة الأخيرة محور حديثهم. تناقشوا وتفاعلوا وتبادلوا ما يملكون من "خبريّات". وعند الحادية عشرة والنصف، عكفوا عائدين إلى بيوتهم.
في طريق العودة، وعند تقاطع الروشة المنارة، "حطّت" عليهم سيارة درك. ترجّل الشرطي من سيارته سائلاً الشبان: "من أين أنتم؟". جاء الردّ الطبيعي: من عرسال. فما كان من الدركي سوى الردّ بسؤال جديد: "شو جابكن لهون؟". إجابة "جئنا لنتمشّى" لم تُقنعه، فكرّر سؤاله بصيغة جديدة: "شو جابكن على بيروت؟". سمع عبارة "طلاب جامعات"، ومن بعدها طلب أوراقهم الثبوتية.
بعد التدقيق في الهويّات، والتأكّد أن لا "عيب" قانونيّا على الشبان، أصرّ على تفتيشهم.
لسوء حظّهم اكتشف في جعبة أحدهم.. علبة ورق لفّ دخان عربي. وعلى الرغم من أنّ الدفتر قديم، وعمره أكثر من ستة أشهر، جهزت التهمة وخرجت إلى العلن: "شو شباب محششين!". تلاسن رجل الأمن معهم، بعد محاولتهم نفي التهمة عنهم، لكن لا مفرّ، فالدركي اشتمّ "رائحتهم" من لحظة وصوله، لكنه كانت بانتظار أداة الجريمة!
تمكّن الشباب من الاستماع إلى الاتصال الذي أجراه الدركي بالضابط، وفق قولهم. ما فهموه أنّ الأخير طلب "تفييش" هوياتهم، وعند سماعه الردّ بانجاز المهمة وعدم وجود أي إشكال، طلب تركهم بحال سبيلهم. لكن الدركي كرّر على مسمعه أنّه "مُرسل خصّيصاً لأجلهم".
مع انتهاء الاتصال وصل "جيب درك" وحمل الشبان الخمسة "مكبّلين" إلى مخفر لقوى الأمن الداخلي.
وفق رواية أحد الشبان، مع وصولهم إلى المخفر، جرى نقاش بين دركيّ من المخفر ومدني من الاستقصاء. اختلفا حول حقه في إحضارهم إلى المخفر دون وجود تهمة واضحة. أمّا الشكّ بعلبة ورق السجائر، فهي تستوجب حسب الدركي، جلب حاملها وليس المجموعة كاملة.
دخل الشبان الزنزانة، على أمل تحقيق الوعد بوصول الطبيب الشرعي لإجراء فحص تعاطي المخدرات. غفا "مساجين عرسال" والطبيب لم يصل. عند الصباح، عادت الوعود لتهلّ عليهم. ساعة، ساعتان أو أكثر، و.. ربّما لن يأتي الطبيب اليوم، عليكم الانتظار. لكن إن كان الشبان على عجلة من أمرهم، فيمكنهم إحضار طبيب على حسابهم الشخصيّ. وافق الجميع، فأولاد الجامعات لديهم امتحانات، لهذا دفع كلٌّ منهم خمسين ألف ليرة. ساعة واحدة، ووصل الطبيب ليتبيّن بعد الفحص أنّ أحداً منهم لم يتعاط مواد مخدّرة.
في العاشرة صباحا، حملوا أغراضهم وخرجوا. رئيس المخفر طلب منهم "ألاّ يؤاخذوه"، فهم لا دخل لهم بتوقيفهم. أمّا نصيحته فكانت أن يتوجّهوا، إن رغبوا، إلى المحكمة العسكرية لتقديم بلاغ، وبناءً عليه يُطلب المحضر ويتمّ التحقيق مع المسؤولين عن الحادثة.
عاد الشبان الخمسة إلى عرسال، بعد ليلة طويلة في التوقيف. طبعاً، انتشر الخبر بين الأهالي سريعاً. أصلاً سكّان عرسال ينتظرون هذه الأخبار لإضافتها على لائحة "أشكال الخنق" الممارس عليهم منذ حادثة خالد الحميد.
أحد شبان المجموعة لم يعد يعرف ما عليه أن يفعل عند رؤية دوريّة درك، بعد ما حصل في تلك الليلة. أرعبته عملية "السلبطة" التي مورست عليه وحوّلته إلى مشتبه به لمجرّد انتمائه إلى منطقة عرسال.
فعليّاً، وبعد التأكّد من أحد المحامين، ما قامت به القوى الأمنية "عمل قانوني بامتياز". يحقّ لهم لمجرّد الاشتباه بمجموعة، أو فرد، إجراء التوقيف وجرّهم إلى المخفر. أمّا جلب طبيب شرعي على حساب الموقوف الخاصّ، في حال تأخر المُرسل من قبل الدولة، فهو أيضاً عملية مسموحٌ بها.. قانونياً.
إذاً، هذا يعني استباحة كاملة.. بالقانون! فجرّ أي مواطن إلى التوقيف لمجرّد الاشتباه به، وإبقائه لليلة كاملة في الزنزانة، لأنّ الطبيب الشرعي لم يصل، ممارسة مقبولة.
هؤلاء الشبان ما جنى عليهم هي منطقتهم. تهمتهم الخفيّة أنهم من عرسال، أما تلك المُعلنة فهي علبة ورق سجائر لفّ. لهذا نرجو من جميع المواطنين أخذ الحيطة وعدم حمل أوراق دخّان لفّ في نزهاتهم. أمّا شبان عرسال "الذين لا ندري سبب وجودهم في بيروت أصلاً"، فنرجو منهم ملازمة منازلهم. ليقبعوا هناك في بلدتهم قرب حاجز الجيش الذي لم يعد يوفّر هواتفهم من التفتيش عند كلّ عبور!

