كل الناس انشغلت بإعلان رئيس الائتلاف السوري المعارض معاذ الخطيب باستثناء الطرف الآخر المعني بهذا الحوار، أي النظام في دمشق. وبغض النظر عن دوافع إعلان الاستعداد للحوار وشروطه ومبرراته وأهدافه، يتحدث كل من الخطيب والنظام السوري عن شيئين مختلفين لا علاقة لأي منهما بالآخر.
فالنظام بدأ الحوار الذي يبتغيه منذ فترة طويلة، وكلف رئيس الحكومة برعايته. يجري النظام هذا الحوار مع نفسه وأتباعه، ليس من أجل إيجاد حل في البلاد وإنما من أجل الاستمرار في التصدي للإرهابيين، أي كل الفئات والأحزاب والجماعات السورية المعارضة. وهو يرحب بالحوار مع كل من لم تتلطخ أيديه بالدماء ولم يساعد الإرهابيين ومن يعترف بمرجعية النظام، أي يستبعد مسبقاً جميع الذين يبدون أي تحفظ عن مفهومه لطبيعة الأزمة وكيفية معالجتها، وجميع الذين لا يرتبطون مباشرة بأجهزته وأصحاب القرار فيه.
لقد روج النظام لهذا النوع من الحوار، وبدا لفترة أن روسيا والصين دعمتا الخطوة ودعتا المعارضة حينذاك للمشاركة فيه، لكنهما اليوم باتتا تخجلان من مثل هذه الدعوة التي يقتصر مؤيدوها على طهران وأنصارها. نظراً إلى انكشاف نوعية حوار كهذا كتغطية للحل الأمني وإلى ما ينطوي عليه هذا من مراوغة ومحاولات لكسب الوقت.
وأقصى ما يمكن أن يقبل به النظام حالياً هو أن يعلن الخطيب، ومن هم في موقعه، الانضمام إلى الحوار الرسمي. وذلك بعد إعلان نقد ذاتي، بعد فترة ضلال، وإعلان أن النظام وسياسته هما المرجعية في الحوار.
الأكيد أن الخطيب، ولا أحد غيره في المعارضة السورية، في وارد القبول بهذا النوع من الحوار الذي هو أحد أدوات الحل الأمني. لكن يبدو أن ثمة قراءة، يمكن استخلاصها من جملة تصريحات، تعتبر أن الحل العسكري غير متوافر لأحد طرفي المعادلة وأن الموقف الدولي لن يشهد تغيراً يتيح تغيير ميزان القوى على الأرض، فالأجدى إذن التوجه إلى حل سياسي عبر التفاوض.
وليس صدفة أن يسمي الخطيب نائب الرئيس فاروق الشرع كمحاور عن النظام. ففي جملة الأفكار التي جرى تداولها منذ مهمة كوفي أنان، وتم تكرارها في إعلان جنيف وفي ثنايا أفكار الأخضر الإبراهيمي أنه ينبغي الحفاظ على وحدة الدولة السورية التي يمثل نائب الرئيس أحد أوجهها البارزة في الوقت الذي لم يعرف أنه مشارك في الحل الأمني.
ووجدت هذه الأفكار صداها حتى عند الشرع نفسه الذي خرج في مقابلة صحافية قبل فترة يتحدث فيها عن استحالة الحل العسكري وضرورة التفاوض.
هكذا التقى الخطيب والشرع على ضرورة التوجه إلى نوع آخر من الحوار، غير ذلك الذي يجريه النظام مع نفسه. لكن، كما أعلن النظام، عبر الشرع عن وجهة نظر شخصية مرفوضة، واستبعد صاحبها من حوار الحكومة. كما عبرت جماعات المعارضة السورية عن رفضها لتوجه الخطيب الذي اعتبرت دعوته مبادرة شخصية.
وفي الحالين، تبدو الدعوة إلى الحوار صادرة عن غير ذي صفة وغير ذي قدرة، وأكثر من ذلك لا يملك صاحبها أدوات فرضها، على رغم النيات التي يمكن أن تكون وراءه.
وفي الوقت الذي يستمر النظام في الحوار الذي وضعه على مقاسه، يظل بعيداً الحوار الجدي المفضي إلى تسوية فعلية للأزمة السورية تأخذ في الاعتبار ليس المطالب الشعبية فحسب وإنما محاسبة الذين دمروا سورية وشردوا شعبها وقتلوا عشرات الآلاف منه.

