تتوالى ضربات معاول الهدم للصيغة اللبنانية من كل القوى الطائفية. قامت هذه «الصيغة» على عقد وطني بين جماعات وافقت على قيام دولة وحدة فوّضت إليها المساحات المشتركة. اشترطت أطراف «الميثاق» أو العقد ولمرحلة انتقالية، الحرص على عدالة هذه الشراكة وعلى احترام ثقافاتها المتنوعة. جسّد ذلك دستور 1926 في مادتيه 95 و9. الأولى عبر تمثيل الطوائف بصورة عادلة من دون الإضرار بمصالح الدولة، والثانية عبر احترام حرية الاعتقاد ضمن النظام العام.
خلال هذه المسيرة حصلت متغيّرات اجتماعية وسياسية أملت تعديل بنود هذه الشراكة وتفاصيلها، في العام 1943 وفي العام 1958 و1973 و1989. كان محور هذه التعديلات تحسين وتصحيح تمثيل الأطراف في السلطة السياسية والإدارة العامة، واحترام الاتجاهات السياسية والتوفيق بينها في العلاقات الخارجية. هكذا تعززت «الوطنية اللبنانية» وتجربة «العيش المشترك» وتجسّدت في مسلّمات ومبادئ أساسية نصت عليها مقدمة دستور 1990 المعدّل وبنوده الداخلية المعدّلة.
في أساس هذه التسوية التي أعقبت الحرب الأهلية، التأكيد على مركزية الدولة على الصعيد السياسي الوطني والانفتاح على أشكال من اللامركزية الإدارية الموسّعة بهدف زيادة مشاركة الناس في إدارة شؤونها الحياتية اليومية وتدارك الخلل التاريخي من قبل الدولة في تنمية المناطق والاهتمام بشؤونها.
خلافاً لكل تفسير آخر عزز دستور 1990 الاتجاه المدني للدولة بوضع أحكام ميثاقية في مقدمته أبرزها: التزام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، احترام الحريات العامة وحريات الرأي والمعتقد والعدالة الاجتماعية، والمساواة في الحقوق والواجبات دون تمايز أو تفضيل، لا تجزئة ولا تقسيم ولا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، والشعب مصدر السلطات.
هذا العقد الوطني هو المرجع لتفسير أحكام الدستور إذا كنا نرغب في احترامه، من دون حرج في حال طموح بعض القوى إلى تعديله مجدداً.
على أي حال لم يطبّق الميثاق ولا الدستور لأسباب مختلفة حتى صار التعدي عليهما مسألة عرفية وبلغنا مرحلة متقدمة جداً من انهيار وتفكّك الدولة المركزية التي تكوّنت بعد الحرب الأهلية.
وما كان يحصل بشكل شبه مكبوت أو بارد انفجر مع ارتفاع الضوابط الخارجية حتى صار معلناً الارتداد على هذا الميثاق أو التعاقد. سلاح خارج سلطة الدولة. نقض لسياسة لبنان الخارجية التوافقية. سياسات اقتصادية فئوية تدميرية، ونهب منظم لموارد الدولة ومرافقها. إخلال بتوازن السلطات، وجنوح للاستئثار والسيطرة. تعطيل للنظام الديموقراطي وتعديات على تمثيل الجماعات ومصادرة لحقوق المواطنين. تحطيم منظم للثقافة الوطنية عامة وللثقافة السياسية خاصة وتجويف للحريات العامة والفردية واستباحتهما. تجتمع هذه الممارسات اليوم في عدة ظواهر منها: الانقلاب على مبادئ التمثيل الشعبي الديموقراطي، والتداول في مشاريع قوانين للانتخاب تضرب صحة التمثيل وعدالته وركيزته الأساسية، بوصفه تمثيلاً لشتى فئات «الشعب». وهجوم فج على الحقوق المدنية وعداء مفضوح لها من جهة وتنكّر من المسؤولين في الدولة ومقاومة أي سعي لتطبيقها. ولقد تمادت الجهات الطائفية التي تزداد قوة وشراسة بهوياتها الدينية النافرة في منع الاعتراف للمواطنين بحقوق مدنية كما بحقوق سياسية متساوية، برغم الإرث الديموقراطي والمدني الموجود في تشريعات الدولة الأساسية. يأخذنا المشهد إلى فك الشراكة بين الجماعات، والقطيعة بين الدولة ومواطنيها. فلا الجماعات قابلة الآن بعقدها المشترك، ولا المواطنون قابلون بالتعدي على حقوقهم من سلطات الطوائف وتخلي الدولة عن حمايتهم.
كل ما يطرح الآن من قوانين للانتخاب لا علاقة له بالتمثيل الشعبي الصحيح ويذهب باتجاه مصادرة القوى المتسلّطة على الدولة لحقوق الناس وتمثيلها، ويدفع إلى المزيد من «التقسيم» الطائفي والسياسي. وكل ما يصدر من مواقف لجهات طائفية يستخدم الدين لقمع الحريات العامة والفردية بسيف «التكفير» هو مشروع نقض لركائز الدولة وسلطانها في التشريع وإدارة شؤون المجتمع.
قد يبرّر هؤلاء مواقفهم بسلطاتهم الدينية على رعاياهم. لكن المسألة في جوهرها تطاول كل اللبنانيين ولا شرعية مطلقاً لهذه المراجع أن تعتدي على الدولة والمجتمع في ما هو حقوق عامة ومشتركة ويجب ردعها عن ذلك. من حق أي مواطن لبناني أن يرفض هذه الإملاءات التي تمارسها السلطات الدينية لأي طائفة انتمت في شأن أمور تخص الشعب الذي هو مصدر السلطات يمارسها من خلال مؤسسات الدولة. وبالفعل يخيفنا هذا السلوك التسلطي الذي تمارسه المرجعيات الدينية وتستجيب له مواقع رسمية مسؤولة عنا جميعاً ونضعه تماماً في الموقع نفسه للاعتداء على سيادة الدولة كأخطر سلاح على «العيش المشترك» وعلى حقوقنا كمواطنين. فهل قرّرت الجماعات السياسية المسيطرة أن تنحر هذه الدولة بأشكال مختلفة من أشكال التقسيم، أم لا يزال أمامنا فسحة من الوقت لمواجهة هذا «الارتداد» الأخطر على كرامتنا وحقوقنا وحرياتنا وعيشنا معاً!؟

