إن ضحكت ظهر قوس قزح

بعد قليل ينام كل شيء هنا وتستيقظ صديقتي في المقلب الآخر من الدنيا، صديقتي ذات الشعر الأسود كالعتمة الأليفة، المجعّد كتلعثم عاشق، صديقتي ذات الجمال الريفي الذي يطبع قبلتين حمراوين على خديها، صديقتي الحنونة كأمي.
تستيقظ في بلاد لا تشبهها ولا تشبهنا، تستيقظ لتتنفس هواء آخر، قد يكون نظيفاً ولكنه آخر وغريب.. تستيقظ بينما أنا أحلم بمشوار طويل معها بين البترون وغابة أرز تنورين، نعدّ الغيم من شباك السيارة، وندوّن أسماء القرى، ونضيع ثم نهتدي، ونحكي قصصاً عن جداتنا وعن اختلاف عادات الشتاء بين الهرمل وحدث الجبة، ونصوّر البيوت القديمة والكنائس، ونختار الطريق القصير في غابة الأرز ببساطة لأننا كسولتان.
أرغب أحياناً أن أبقى مستيقظة طوال الليل علّي أصبح على توقيت تلك البلاد من دون الساعات الثماني التي تفرّق بين زمانينا.
لم يعد النوم مشابهاً للنوم قبل سفرك، ولا الاستيقاظ ولا السير في الطريق ولا الأكل ولا العمل ولا زحمة السير ولا العائلة ولا شرب القهوة ولا حتى السهر، مع أنك لم تحبي مرافقتي في السهرات، ولا العيش أساساً، والأهم لم يعد الفرح كالفرح قبل سفرك، على الأقل ليس كاملاً.. على الأقل تعتريه غصة.
خمسة أشهر مرت عليّ ثقيلة، كأنها حمولة غير مرتّبة على ظهري تسقط وأضطر لحملها من جديد كيفما اتفق وأنا أصعد درجاً لا ينتهي منذ خمسة أشهر. منذ غادرتِ هذا البلد الغريب الأطوار، وأنا أعيش مع هذا الحمل، أستيقظ كل صباح محاولة ترتيبه من دون جدوى، فأحمله كما هو وأغادر إلى عملي، أمضي يومي وهو فوق ظهري، أنساه للحظات فيخف، ثم أذكره فيضنيني.
أعيش حياة غريبة، أتنفّس هواء ملوثاً بغيابك، هواء يدخل رئتيّ محدثاً خدوشاً تحرقني كلما أمعنت في التفكير بأنك لست ضمن البقعة الجغرافية ذاتها وأن سيارتي لا يمكن أن تصل إليك.
بارد شتاء هذا العام، وفي البرد نشتاق أكثر إلى من نحبهم لأنهم مصدر الدفء. في البرد أشتاق إلى جدتي مثلاً، جدتي التي أشعر أن لا أحد مات قبلها ولن يموت أحد بعدها، على الأقل هكذا أفكّر في البرد.. وهذا أول شتاء يمرّ عليّ من دون وجودك في مكان ما من حولي. بُعدك الجغرافي يشعرني دائماً بقشعريرة باردة فكيف إن كان الشتاء أصلاً قارساً هذا العام..
لم تعد الحياة كما كانت. هكذا بكل بساطة. أشعر أن بيتي بلا سقف أو أني في المطر من دون مظلّة ـ أول مرة أكتب فيها كلمة مظلة منذ أيام فروض التعبير. هل تذكرين حين كنت أقول لك إني أرغب لو أننا صديقتان منذ الطفولة نكتب معاً فروض التعبير؟
أشعر باليتم.. باليتم لناحية الصداقة. ليس قليلاً أن يرحل الكتف الذي أسوّي عليه حمولة همومي ويساعدني على حملها ويخفف منها أيضاً. لم تعد الحياة كما كانت ولا الأمور التي كنّا نقوم بها معاً ولا حتى الأمور التي لم نكن نقوم بها معاً.
خمسة أشهر كافية لتجعلني أشعر أنك حلم جميل مرّ عليّ ولأرغب بالنوم باكراً كل ليلة، علّه يعود إليّ، أو علّ الأيام تمرّ أسرع..
خمسة أشهر وأنا أتحسس وردة من الذهب الأبيض معلقة في عنقي ومثلها في عنقك، خمسة أشهر أتحسسها كأنها أنت وأخاف أن تضيع منّي كما أضعتك في أفق ظننته موجوداً فقط في رسومات الطفولة كي نخربش عليه هيئة طيرين مهاجرين..
ذاك الأفق موجود إذاً وأنت لست سوى أحد الطيرين المهاجرين..

السابق
اقفال الادارات العامة في عيد مار مارون في 9 شباط
التالي
حزب الله: عميل جديد وقتيل في سوريا