لا أحد يجهل لماذا وجدت القيادات المارونية التي جمعتها بكركي الكنز المفقود الباحثة عنه في مشروع اللقاء الأرثوذكسي. ولا شيء ينطبق على المشروع أكثر من القول الشهير عن الحراب: تستطيع أن تفعل أي شيء بالحراب باستثناء الجلوس عليها. فهو حسب الخطاب الشائع استطاع، بالتصميم أو بقوة الأشياء، تسجيل عدة أهداف باستثناء الهدف الأصلي: أن يصبح قانوناً تجرى الانتخابات على أساسه. والموارنة رقصوا على موسيقى المشروع وشاركهم الشيعة، لكن المشاركة المطلوبة من المذاهب الأخرى لم تحدث.
وليس جديداً أن يثير المسيحيون مسألة الحاجة الى صحة التمثيل النيابي لتكون المناصفة فعلية لا على الورق. الجديد ان المشروع، بالنقاش الذي أثاره، حقق الاعتراف الجماعي بأن التمثيل النيابي المسيحي ليس صحيحاً ولا عادلاً. والباقي، وسط معرفة الجميع بأن التمثيل النيابي الاسلامي صحيح، هو الاعتراف بأنه ليس عادلاً بالنسبة الى مَن هم خارج الزعامات الأحادية. لكن الإجماع لم يحجب الخلاف على القانون الذي يضمن التمثيل الصحيح والعادل للمسيحيين.
ومن السهل الحديث عمن قاد من الى المناورة وربما المغامرة. لكن من الصعب تجاهل السؤال المكتوب على الجدران: ماذا يستفيد أي طرف اذا ربح في الانتخابات وخسر في السياسة؟ فالتمثيل الصحيح، على أهميته وضرورته، ليس العامل الوحيد الذي تدار به الحياة الوطنية والسياسية. واذا كان النظام الطائفي قدراً في رأي حراسه المستفيدين منه، فإن الخيار ليس الصفاء المذهبي لادارته بل التحالفات العابرة للطوائف وإعطاء السياسة الحد الأدنى من معناها ودورها. واذا كان الهدف هو الوصول يوماً ما الى دولة مدنية بالفعل، لئلا نقول علمانية، فإن أخطر الطرق هو الانحدار الى ما دون النظام الطائفي.
وليس من المعقول أن يكون النزول الى قاع المذاهب هو المحطة الاجبارية للصعود الى الدولة المدنية. فما هي هذه الدولة المدنية التي يديرها المذهبيون، حيث التطرف هو الغالب، والاعتدال هو الانتحار السياسي لصاحبه؟ وما هو مصير هذا البلد الذي يتحكم به أهل المذاهب ويهاجر منه أهل المواهب؟
الكل يعرف أن الأزمة عميقة ومعقدة في الداخل ومرتبطة اليوم أكثر من أي وقت مضى بما يحدث في المنطقة من صراعات جيوسياسية ضمن محاور مذهبية. والسؤال التقليدي هو: ما العمل؟ والجواب ليس التسليم بالهيمنة على الدور المسيحي، مع التسليم بالوجود، ولا الاندفاع على طريق المذهبية، بل البحث عن صيغة تضمن المشاركة المتكافئة في السلطة. والسؤال ليس كيف بل هل هناك ارادة وطنية وسياسية؟

