أثار نزوح فلسطينيّي سوريا إلى مخيّمات لبنان مخاوف كبيرة تتعلّق بطبيعة المرحلة المقبلة واحتمالات ضرب الاستقرار الأمني الهش الحاصل في لبنان بشكل نهائي وعلى نطاق واسع.
ولهذه المخاوف أسبابها الكثيرة، يبقى أهمّها:
أوّلاً – إنّ هذا النزوح إنّما جاء بفعل أحداث عسكرية وصدامات دموية طالت مخيّم اليرموك. فهنالك مَن ردّد سابقاً بوجود نيّة لاستخدام "البندقية" الفلسطينية في الصراع السوري – السوري الحاصل بهدف تعزيز قدرة المقاتلين المعارضين السوريّين والعمل على قلب المعادلة الأمنية في العاصمة دمشق لصالح المعارضة.
وجاءت الأحداث لتؤكّد بأنّ الجسم الفلسطيني المقاتل بطبيعته والذي يحظى بخبرة طويلة في فنون القتال لا سيّما حروب العصابات، إنّما أصبح في قلب الصراع السوري المتأجّج. لكنّ السؤال اللغز يبقى حول السبب في دخول مجموعات المعارضة المسلّحة إلى داخل المخيّم، وبالتالي وضعه بشكل علني ومكشوف ضمن معادلة التقاتل السوري ما تسبّب بنزوح سكّانه، ما يعني أنّ الهدف الفعلي هو دفع الفلسطينيّين للرحيل عنه.
ثانياً – إذا كان رحيل هؤلاء الفلسطينيّين الى تركيا مسألة صعبة جدّاً بسبب المسافة، وإلى العراق غير منطقية بسبب البعد الجغرافي للمنطقة السنّية العراقية، فإنّ عدم اختيارهم للأردن لا يحمل أيّ تبرير منطقي. بما معنى، أنّ هنالك من عمل على توجيه هؤلاء باتّجاه المخيمات الفلسطينية في العاصمة بيروت.
ثالثاً – إنّ ما حصل يؤشّر إلى انّ معركة دمشق لم تعد بعيدة، لا بل أصبحت على الأبواب، ما يعني أنّه لا بدّ من توقع قدوم المزيد من النازحين سوريّين كانوا أم فلسطينيّين، حيث سيستقرّ هؤلاء في بيروت والشمال وبعض البقاع.
وهذا سيعني ارتفاع أعداد النازحين بشكل كبير، لتتحقّق "نبوءة" الأمم المتحدة وتوجيهاتها للهلال الأحمر الاماراتي بوجوب أن يتحضّر لبنان لما بين نصف مليون إلى مليون نازح سوري باتّجاهه.
رابعاً – إنّ ذلك يترافق مع مرحلة ما بعد اعتراف الأمم المتحدة بمقعد مراقب لدولة فلسطين، مع ما يعني ذلك ضمناً أنّ السلطة الفلسطينية لم تعد مسؤولة عن فلسطينيّي الشتات كونهم لا يتمتّعون بالإجراءات القانونية الرسمية من قِبل السلطات الفلسطينية، وهو ما يفتح باب الاجتهاد واسعاً أمام احتمالات المستقبل.
خامساً – إنّ توازن القوى في سوريا يؤشّر إلى صراع طويل في حال غياب التسوية السلمية، ما يعني وجوب الاعتراف بأنّ على لبنان احتضان ما يفوق قدرته بكثير، إن كان اجتماعياً بسبب العجز الاقتصادي الخطير في لبنان، أو حتى سياسياً وأمنياً في ظلّ الاصطفاف الداخلي الحاصل، والانقسامات الكبيرة التي يعيشها.
ويتوافق ذلك مع استبعاد وجود مسعى حقيقي لإنجاز تسوية سياسية للأزمة في سوريا على اساس انّ استمرار اللهيب يفيد مصالح الغرب السياسية وحتى الحيوية.
ومن هنا فإنّ التحرّك الاميركي حسب هؤلاء هو بهدف الإلهاء، فيما المطلوب استمرار الصراع لا بل تصعيده أكثر، وهذا ما أشار اليه امين عام حزب الله السيّد حسن نصرالله في كلامه الاخير، حيث تحدّث عن صراع طويل وعن "الفخ" السوري.
وإذا ما صحّت هذه النظرية، فإنّ استقدام النازحين الى الساحة اللبنانية إنّما يهدف الى تغيير الديموغرافيا بهدف إشعال المواجهة السنّية – الشيعية على كامل المساحة اللبنانية.
فالمجموعات النازحة هي مجموعات معبّأة بطبيعة الحال، إضافة الى انّها تشمل مجموعة واسعة من الطبقة الفقيرة التي إذا ما ازداد وضعها سوءاً وأصبحت على تماس مع حال الفوضى السياسية التي يعيشها لبنان، وهي التي تختزن كبتاً مذهبيّاً، إضافة الى حال "التسامح" الحاصلة مع حركتها العسكرية، فإنّ النتيجة ستكون تكراراً لما حصل مع الانفلاش الفلسطيني في مطلع السبعينات، هذا إذا لم تكن الأمور أكثر سوءاً وتعقيداً.
أضف الى ذلك "الخبرة العسكرية" للفلسطينيّين، فإنّ ذلك سيعني انفتاح الأزمة الى صراع وصدام وانفجار أمنيّ في لبنان على خلفية مذهبية.
لذلك، ربّما جرى توجيه الفلسطينيّين الى مخيّمات بيروت في مواجهة الضاحية الجنوبية، وتركيز النازحين السوريّين في الشمال على تماس مع شيعة بعلبك والهرمل، وتسهيل البعض الآخر للبقاء في البقاع الاوسط، لقطع طريق التواصل بين البقاع والشمال والضاحية وبينه وبين البقاع الغربي فالجنوب.
كذلك بات لفتح أبواب مخيّم عين الحلوة أمام الكادرات الفلسطينية الأصولية المقاتلة في سوريا معنى أوضح، وهو الذي يقيم عند البوّابة البحرية للجنوب ومعزّزاً هذه المرّة بالتعبئة التي ينفّذها الشيخ أحمد الأسير.
ولم يعد سرّاً أنّ العواصم الغربية فكّرت في مراحل سابقة في وضع سلاح المخيّمات الفلسطينية في مواجهة سلاح حزب الله، وعلى أساس أنّ المواجهة العسكرية بين "السلاحين" تؤدّي إلى الغائهما لاحقاً من خلال تسوية كبرى، ولو أنّ الكلفة ستكون باهظة على اللبنانيّين.
لكنّ حزب الله نجح في اختراق المخيّمات، لا سيّما عين الحلوة، وأمسك بمفاصلها، ما جعل الأوساط الغربية ترى صعوبة في تحقيق هذه المواجهة وفق المعطيات الموجودة. وبذلك يصبح موضوع النازحين السوريّين والفلسطينيين عاملاً مساعداً لإعادة تحقيق معادلة السلاح بوجه السلاح، ولكن بكلفة أكبر بكثير هذه المرّة قد تصل إلى حرق "الأخضر واليابس".
في المقابل، لا تبدو الاوساط الديبلوماسية الغربية موافقة على هذا السيناريو، مجدّدةً التأكيد على أنّ اهتزاز الاستقرار الأمني في لبنان هو ضدّ مصلحتها.
وتضيف هذه الاوساط أنّ القلق الذي استجدّ جرّاء النزوح الفلسطيني إنّما هو مبالغ فيه، مشيرةً الى انّها أحصت حوالي ألفي نازح فلسطيني لا اكثر. ورغم موافقتها على انّ موضوع النازحين سيؤدّي الى انفجار اجتماعي يهدّد الاستقرار الامني، إلّا انّها أبدت قناعتها بأنّ المفاوضات الاميركية – الروسية الجارية ترتكز على دعائم جدّية جدّاً، وهي ليست لتقطيع الوقت أو لحرف الأنظار.
ومن هنا، فإنّ هذه الاوساط ترى انّ حظوظ نجاح التسوية مرتفعة، على ان يتصاعد الدخان الابيض مطلع فصل الربيع المقبل، وهو ما سينعكس إيجاباً على الوضع اللبناني.
إلّا أنّ هذه الاوساط لا تتأخّر في التذكير بأنّ هنالك متضرّرين من التسوية السلمية في المنطقة سيعملون حكماً على خربطتها، ما يستوجب التأنّي والحذر.

