ماذا تعني زيارة 14 آذار لغزّة؟

خطت 14 آذار، في أسبوع واحد، خطوتين معبّرتين في دلالاتهما وأبعادهما: الخطوة الأولى تمثّلت بتأكيد دعمها للائتلاف السوري المعارض، ودعوتها الدولة اللبنانية إلى أن تتعامل معه بصفته الجهة الصالحة والوحيدة للتباحث في شأن العلاقات اللبنانية – السورية ومستقبلها. والخطوة الثانية تجاوزها التضامن اللفظي مع الشعب الفلسطيني الذي تعرّض لهجوم من قِبل إسرائيل إلى ربطها القول بالفعل عبر زيارتها أمس إلى غزّة.

ولا شكّ أنّ هاتين الخطوتين تتجاوزان برمزيتهما زيارة 14 آذار إلى وادي خالد وعرسال لتفقّد اللاجئين السوريّين، لأنّ الطابع الإنساني طغى على ما عداه في هذا الموضوع، والتضامن مع الأهالي والنازحين هو أقلّ الواجب، خصوصاً لجهة وجودهم داخل الأراضي اللبنانية، وحرص اللبنانيّين ربطاً بعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم أن يبقى بلدهم الملجأ لكلّ الشعوب والجماعات المضطهدة، فكيف بالحري الشعب السوري الذي يعاني من نظامه ما
عاناه اللبنانيون من هذا النظام وما زالوا؟

هذا في الوقائع، أمّا لجهة الدلالات فيمكن التوقّف أمام الآتي:

أوّلاً، لقد أصبح هناك قناعة راسخة بأنّ "حزب الله" في غير وارد الالتزام باتّفاق الطائف ولا بـ"إعلان بعبدا"، ومسألة تحييد لبنان مجرّد وهم ومطلب غير قابل للتطبيق، والتمسّك به يعطي الفريق الآخر الأرجحية في الصراع السياسي على مستويَي الداخل والخارج.

ثانياً، يخطئ من يظنّ أنّ باستطاعته أن يهزم "حزب الله" في لبنان لسبب بسيط هو أنّ أقصى ما يمكن تحقيقه هو إعادة ترسيم البلد إلى مربّعات طائفية ومذهبية ومناطقية، وهذا ما ترفضه 14 آذار وتتمسّك بالمواجهة السياسية السلمية لقطع الطريق أمام كلّ من يريد إعادة تدمير لبنان مجدّداً.

ثالثاً، إرتباط الأزمة اللبنانية بأزمة المنطقة هو ارتباط عضويّ، إذ في الوقت الذي كانت اللحظة سانحة لفكّ هذا الارتباط مع خروج المسألة الفلسطينية من الوحول اللبنانية أنشأت إيران "حزب الله" لإبقاء لبنان ساحة مواجهة إقليمية.

رابعاً، ساهمت انتفاضة الاستقلال في العام 2005 في تعزيز الفرز في المنطقة بين محور السلام ومحور الحرب، وقد اتّسعت مشروعية المحور الأوّل بعد انكشاف أهداف المحور الآخر القائمة على مبدأ الحرب للحرب، وهذا الوضوح في التمحور كان وراء توصيف الانقسام على مستوى المنطقة لا فقط في لبنان بأنّه بين و8 و14 آذار.

خامساً، المدخل لحلّ الأزمة اللبنانية هو بهزيمة محور الممانعة أو إضعافه بالحدّ الأدنى، بعيداً من الكلام الاستهلاكي عن فكّ ارتباط وغيره، وهذا الإضعاف بدأ يترجم على أرض الواقع عبر تحوّل التحالف الرباعي (نظام ولي الفقيه، نظام الأسد، حزب الله وحماس) إلى تحالف ثنائيّ بعد خروج حماس وانغماس البعث السوري في الوحول الداخلية السورية.

سادساً، الدعم الدولي حاجة ماسّة للدول الصغيرة والضعيفة مثل لبنان، والتمسّك بقرارات الشرعية الدولية مسألة أساسية، ولكن "توازن الرعب" هو بين الدول الإقليمية. فسوريا تخشى مصر أكثر من فرنسا، وإيران تخشى السعودية أكثر من أميركا، وبالتالي تحالف 14 آذار مع الثورتين السورية والفلسطينية هو الضمانة الوحيدة للموازنة مع الثنائي الممانع في المرحلة الأولى، وتعطيل المكوّن الثالث، أي حزب الله، في المرحلة اللاحقة.

سابعاً، الصراع في لبنان هو صراع خيارات على مستوى المنطقة بين مشروعين، والتحدّي هو في منع مواصلة استخدامه رأس حربة ووقوداً لإيران، وبالتالي الوصول إلى هذا الهدف مستحيل إذا استمرّت 14 آذار في مواجهتها من منطلق لبناني بلدي. ولذلك، توسيع رقعة التحالفات والتفاهمات أمر حيويّ وحتميّ من رام الله وغزّة إلى الثورة السورية.

ومن هنا، تحمل زيارة غزّة كلّ هذه المعاني، فضلاً عن حرص 14 آذار على دعم الفلسطينيين في اعتماد أسلوب المواجهة الذي يرتؤونه بعيداً من أيّ تدخّل خارجي أو وصاية على قرارهم. فالقضية قضيتهم، وكلفة المزايدة عليهم دفعها شعبهم من لحمه الحيّ، وما تحقّق لا يقتصر على عودة غزّة إلى الحضن العربي، بل سلوكها الطريق الذي بالتأكيد سيوصلها جنباً إلى جنب مع منظمة التحرير إلى تحقيق المطالب التاريخية للشعب الفلسطيني.

فلبنان لم يستعد جزءاً من عافيته إلّا بعد خروج الجيش السوري من أراضيه، ولن تكتمل سيادته على ترابه إلّا بعد رفع الهيمنة الإيرانية عنه، الأمر الذي ينسحب على الفلسطينيّين الذين بمجرّد تخلّصهم من التأثير الإيراني سيتمكّنون من تقرير مصيرهم.

ويبقى أخيراً السؤال الآتي: هل يدرك "حزب الله" معنى أن تكون 14 آذار حليفة للثورة في سوريا ومنظّمة التحرير وحماس في فلسطين؟ لم يخطئ من قال: "تغيّرت الدني".

السابق
خلقوا الوحش الذي لا يمثلهم
التالي
لماذا يتقبّل حزب الله الانتقادات الجنبلاطية اللاذعة