القصة التي بدأت قبل أسابيع في السودان تتواصل فصولها اليوم في غزة. فقبل أسابيع قليلة، كانت اسرائيل وهي تضرب في السودان، ترسل رسالة إلى إيران، بصورة دفعت بعض المحللين إلى الحديث عن هذا البلد العربي الإفريقي بوصفه جبهة جديدة للصراع بين طهران وتل أبيب.
نفى السودان عقب الهجوم مزاعم اسرائيلية بأن المنشآت التي جرى استهدافها، يُشرف عليها "الحرس الثوري الإيراني" بهدف ايصال أسلحة إلى غزة. ويتحدث بعض التسريبات عن دور هذه المنشآت في صناعة صواريخ إيرانية خاصة تناسب ظروف حصار قطاع غزة، إذ تملك قابلية تفكيكها إلى قطع مما يسمح بتهريبها من السودان عبر سيناء الأنفاق إلى غزة. وعلى الرغم من نفي المسؤولين السودانيين وكذلك الإيرانيين الإدعاءات الإسرائيلية، يتحدث الطرفان عن علاقات ثنائية متينة، وعن ملفات تتلاقى وجهات النظر بشأنها ومنها دعم فصائل المقاومة الفلسطينية.
وبعدما انسحبت "حماس" من الساحة السورية، وتعرضت علاقتها مع طهران لتغيرات جوهرية، وجرى حديث عن قطع المساعدة المالية التي كانت تقدمها الحكومة الإيرانية لحماس "عقاباً" لها على موقفها من الثورة السورية، بقيت إيران في خطابها السياسي تتحدث باحترام عن حماس. وبقي الإعلام الإيراني يحجم عن مهاجمتها بشكل مباشر واستمر يتحدث عن "الحركة المقاومة" التي تجمعها مع طهران روابط وعرى لا تنفصم … وبقي تعبير "الأخوة في حماس" حاضراً في أحاديث الساسة الإيرانيين وتصريحاتهم الصحافية.
ولعل التطورات الإقليمية وما كشفته مجريات الأحداث في غزة تكشف شيئاً من هذه العرى التي ظلت إيران متمسكة بها، وربما يكون من ضمن ما تكشف عن "القدرة الصاروخية" و"ترسانه غزة العسكرية" التي أحدثت صدمة لحلفاء تل أبيب في الخارج، هو وجود تيار داخل "حماس" ما زال يصر على العلاقة مع إيران، ويثبت جدوى "استراتيجية" اتبعتها إيران لتسليح بعض الفصائل الفلسطينية المعارضة للتسوية وفي مقدمها "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، و هي الإستراتيجية التي يشكل السودان حلقة محورية فيها، ومن خلال خبرات إيرانية ولبنانية من "حزب الله، حظيت كوادر هاتين الحركتين بتدريب عالي المستوى على صعيد اطلاق الصواريخ.
باغتيالها الجعبري، كانت اسرائيل تعتقد بأنها تقطع يد إيران في غزة، وتطيح بالرجل الذي بقي يدافع عن خيار العلاقة مع إيران، لكن الرد العنيف لـ"حماس"، كشف وجود قيادات متنفذة داخل صفوف الحركة تحمل نفس وجهة نظره بشأن هذه العلاقة، وربما تأتي تصريحات خالد القدومي ممثل "حماس" في طهران أخيراً لتصب في هذه القناة.
فبعد تصريحات خالد مشعل عن العلاقة التي تأثرت بفعل موقف كل طرف من الثورة السورية، تحدث القدومي عن "علاقات استراتيجية لن تخضع لتأثير المواقف السياسية". وفي موازاة ذلك، كشف رد فعل "سرايا القدس" الجناح العسكري لـ"حركة الجهاد الإسلامي"، وهي الحليف الأقرب إلى طهران فلسطينياً، قدرة لا يستهان بها للحركة على هذا الصعيد وبخاصة مع قصف مدينة بات يام قرب تل ابيب بصواريخ "فجر 3".
كما ترعى إيران مشاريع مع "حماس" و"الجهاد الإسلامي" لتطوير اسلحة يتم الإشراف عليها بواسطة خبراء إيرانيين، ومن ذلك مشروع "U.A.V" الخاص بالطائرات دون طيار. وفيما يتعاظم الرضى الإيراني من مأزق نتنياهو الذي لم يتوقف عن الوعيد ، تتبرأ إيران من صواريخها التي أطلقتها "حماس"، ويسارع النائب في مجلس الشورى الإيراني علاء الدين بروجردي الذي يرأس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في المجلس إلى النفي قائلاً إن "مزاعم إسرائيل بأن إيران تزود النشطاء بصواريخ لا أساس لها من الصحة" فـ"النشطاء قادرون على تأمين حاجاتهم وليسوا في حاجة إلى أسلحة من خارج أراضيهم".
وكان نتنياهو يتحدث عن خيار الضربة العسكرية لإيران، في وقت تتواصل التحضيرات لمفاوضات أميركية-إيرانية مباشرة، ويمهد لها في إيران التيار الأصولي نفسه الذي سبق أن لبس "الأكفان" احتجاجاً على محاولة التقارب التي قام بها الرئيس محمد خاتمي على هذا الصعيد. وفيما كانت الزعامات الإسرائيلية تؤكد قدرتها على القيام بعمل عسكري ضد إيران دون الرجوع إلى الإدارة الأميركية في واشنطن، بدت إيران تراقب المشهد الإسرائيلي برضى كامل: فقد هرع سكان تل ابيب مذعورين إلى الملاجئ، وتم استهداف مواقع اسرائيلية حساسة كالمطارات والبوارج البحرية، وبات على سلاح الجو الإسرائيلي أن يتحسب جيداً لصواريخ أرض-جو.
في هذا المشهد، لا يبدو الطرف المصري المتعاطف مع "حماس" والواقع تحت ضغط شعبي كبير، راغباً في استمرار المواجهة ويميل بشكل واضح إلى التهدئة، لكنه، وهو يتوسط لإقرار هدنة، مجبر على ما يبدو على رؤية المشهد دون اغفال الدور الإيراني فيه. أما الطرف الإيراني، فيراقب التطورات بهدوء مطبقاً المثل الفارسي: الإيراني يمكنه أن يقتل عدوه بقطنة.

