المعارضة تجلد ذاتها والحكومة تؤدّي لها التحية

تبدو مقاطعة نواب المعارضة للجلسات النيابية التي تحضرها الحكومة ممارسة غريبة وتتنافى مع الأصول البرلمانية وأحكامها، بدليل انه لم يسجل لها مثيل من قبل وفي مراحل كان فيها الانقسام السياسي أشد مما هو عليه اليوم أو مثله على الأقل.
فالحكومة لا تحضر إلى مجلس النواب بمبادرة ذاتية منها إنما بدعوة من المجلس، وقد نظم النظام الداخلي أحكام هذا الحضور في عدد من مواده ومنها المادتان 31 و32.
وتعتبر دعوة المجلس لمشاركة الحكومة في أي جلسة من جلساته (جلسات الهيئة العامة أو اللجان) ليس لإطفاء «نار الشوق» المتبادل إنما لمناقشتها في المبادرات التشريعية، كونها تمثل السلطة الإجرائية المنوط بها تنفيذ القوانين، أو لمساءلتها في موضوع ما والعمل على تصويب أدائها، وهما الأمران اللذان يختصران مهمة النائب وبالتالي مسؤوليته في السلطة التشريعية.
انطلاقاً من هذا، يمكن القول ان مقاطعة النشاط النيابي الذي تحضره الحكومة لن يكون موجهاً ضد الحكومة خصوصاً إذا كانت من الحكومات التي «تتثاءب» في عملها، باعتبار ان المقاطعة تؤدي الى إلقاء اللوم، في عدم انجاز المطلوب من الحكومة، على المجلس النيابي الذي لا يريد العمل في وجود هذه السلطة الاجرائية.
ولهذا فإن المقاطعة من أية جهة نيابية أتت، هي مقاطعة للذات قبل ان تكون مقاطعة للآخر. وهنا يبرز السؤال التالي: ماذا يبقى من دور النائب اذا قرر عدم مناقشة القوانين التي تترجم سياسة الحكومة ولا يريد مساءلة الحكومة ونشر غسيلها بعزوفه عن مواجهتها في اللجان أو في الهيئة العامة للمجلس (وعلى مرأى ومسمع من الرأي العام)؟ وفي مثل هذه الحالة، ماذا يبقى له من دوره في كونه يمثل من انتدبوه في الندوة النيابية؟
منذ زمن بعيد، عندما كانت المعارضة تفهم دورها وفق الأصول، كانت «تستجدي» عقد الجلسات وتستنفر عند الدعوة الى جلسة في اللجان أو في الهيئة العامة، وكانت تنظم العرائض المطالبة بجلسة مناقشة للحكومة، وكم من المرات استطاعت ان تحول الجلسة التشريعية إلى جلسة مناقشة عامة. ومن اللافت للانتباه هنا، انه في بعض تلك الجلسات، كانت الحكومة تضطر لطرح الثقة بنفسها، لتبادر المعارضة ذاتها إلى الانسحاب من الجلسة لتعطيل النصاب كي لا تنال الحكومة الثقة (في أغلب الأحيان تكون مضمونة في جيبتها)، وبالتالي تكون النتيجة بمثابة «تجديد لشباب الحكومة» بمنحها ثقة جديدة، وهذا ما حصل مثلاً في جلسات 12 أيلول 1991، وجلسة 18 تشرين الثاني 1975، وكذلك جلسة 22 نيسان 1980.
وفي بعض الحالات يمكن القول ان الحكومة كانت مهيأة لسحب الثقة منها، إلا أن المعارضة يومها كانت تدرك ان مصلحة البلاد هي في استمرار الحكومة، نظراً لتعذر تشكيل حكومة بديلة، وبالتالي تفاديا للوقوع في مطب الفراغ، ويمكن ان تكون جلسة 22 نيسان 1980 مثالا على ذلك.
من هنا، يتبين ان المسؤولية النيابية تقتضي وضع مصلحة البلاد والعباد في الدرجة الأولى، كما أن المسؤولية الوطنية تفرض أحيانا المفاضلة بين إسقاط حكومة وإبقاء البلاد في حالة تصريف أعمال (فراغ)، وبين بقاء الحكومة، ولو منصباً، وصولا الى الأخذ بالخيار الثاني، ولعل وضع البلد اليوم من الأمثلة التي يترتب عليها الأخذ بالخيار الثاني.
والمفارقة أن بعض الديموقراطيات العريقة (الأوروبية والأميركية) يشارك الأكثرية الحاكمة في لبنان اليوم، معادلة أن بقاء الحكومة أفضل من الفراغ، برغم كل الاتهامات التي كيلت للحكومة الميقاتية بأنها حكومة «حزب الله».
ان مقاطعة النشاط النيابي الذي تشارك فيه الحكومة لا يعدو كونه بمثابة «جلد للذات» لا جلد لأي جهة أخرى. فما هو حاصل نتيجة موقف المعارضة يعطل المسؤوليات المنوطة بالمعارضين أولاً كون المعارضة هي المسؤولة عن تقويم أداء الحكومة في مجلس النواب. ولهذا فإن الأمر الوحيد الذي يبرر فعل المقاطعين هو ان يكونوا قد تعبوا من مشوارهم النيابي. فإذا كان الأمر كذلك، فنبشرهم بأن الخلود للراحة أصبح قريباً مهما كان مصير قانون الانتخابات.

السابق
برونكو باما ورومني أبكيا طفلة
التالي
نحن وأميركا وتشومسكي