أحرص دائماً على إطفاء هاتفي كل ما «ركب مشروع بحر». في اليوم التالي وبعد انقضاء النهار، أحرص على معاتبة الأصدقاء على عدم إيقاظي للذهاب معهم.
المعاتبة الكاذبة تبدو دائماً صادقة ومقنعة، لسببين شاءت الظروف والأحوال أن لا يغيرهما شيء. الأول أن مسألة الاستيقاظ لــطالما صعبة عليّ، والسبب الثاني أن هاتفي قارب نهاية الخـدمة وبطاريتــه مزاجية، وهو أمرٌ تعود الأصدقاء عليه. الموارد المادية لم تكــف لـشراء بديل عنه، إلا أن ذلك لم يمنعــني من متابعـة آخر الإصدارات في عــالم الهواتـف وترأس نقاشات الأصدقاء كلما تم التطرق لهذه المواضــيع. التحدث عن الهواتف الذكية وعن تفاصيلها في لبنــان لا يقلّ أهمية عن اقتــناء واحد منـها، المهم أن تعطي انطباعاً بأنك لســت غريباً عنــها، وحين يبدأ التساؤل عن سبب عدم اقتناء هاتف ذكي، رغم الإلمام بكل تفاصيله، يكفي استحضار الصفة البوهيمية التي اعتادها الأصدقاء لتفسير التعلق بهاتف مهترئ.
تتراوح قيمة الذهاب إلى المسابح عامةً بين الـ20 والـ35 ألف ليرة، وتصل إلى 50 ألفاً نهاية الأسبوع. مبلغ يمكن أن أوفره. لكن سأضطر إلى استبدال منقوشة الجبنة بالزعتر مع اقتراب نهاية الشهر. أستنتج أن حالي أفضل بأشواط من سواي، فإن توافرت لدي الرغبة، سيكون باستطاعتي الذهاب. لكن تهربي من «مشروع البحر» نابع عن شعور بـ«الاستهبال» يراودني كلما دفعت المبلغ لموظف الاستقبال، الذي ربما يضطر بدوره إلى اعتماد إجراءات تقشفية مثلي للنزول إلى البحر، الأمر الذي دفعني للتوقف عن هذه العادة المزعجة.
لم أعِ ذلك سوى بعد انتباهي أن فرحة التمتع بأشعة الشمس والسباحة في مياه رائحتها أقرب إلى رائحة «الديتول» تعوضها «سمة بدن» على دفع المبلغ لمدة أسبوع كامل. الأمر أشبه بإدمان تقع فيه من دون أن تدري. كل ما عليك فعله هو أن تقع في الفخ مرةً واحدة. تدفع المبلغ و«تسمّ بدنك» لأسبوع كامل، من ثم تقنع نفسك بأن من حقها الحصول على نصيبها من الترفيه، وبعد أسبوع ستعاود الذهاب مجدداً.
حيلة الهاتف لا تنطلي دائماً على الأصدقاء. في بعض الأحيان، يحصل ما هو غير متوقع، كمجيء أحدهم ليوقظني بنفسه. حينها، يقع الفأس بالرأس. من الصعب كشف السبب الحقيقي خلف عدم رغبتي بالذهاب. فهو موقف شبيه بصعوبة الاعتراف بأنني غير قادرٍ على امتلاك هاتف ذكي أسوةً بآخرين قد يفوق ذكاء هاتفهم ذكاءهم الخاص. أحب مناقيش الجبنة، ولست على استعداد دائماً لاستبدالها بمناقيش زعتر، لأتمكن من شراء هاتف جديد أو الذهاب إلى البحر.
«البحور» بمعظمها خاصة. ينجو بعض منها، كبـحر صور وجبيل والبترون. إلا أن اقـتراحها كــبديل «وفّير» ليس بهذه السـهولة. لــسبب ما، ترتبط مجانيتها بصورةٍ نمطية، مفادهـا أن روادها هــم أقـل شأناً أو أقل قيمةً من رواد المسابح الخاصة، «وزاوز»، هي الصــفة التي يلـقونها على رواد المسابح العامة. أشعر أن هذا التصنيف لم يبتكره أحـد غـير مالكي المسابح الخاصة، أو بالأحرى أولئك الذين سرقوها، بطريقة قانونية طبعاً.
أتذكر، بينما أفكر بالـ«بحور» المسروقة، عنصرية أصحابها الرافضين لاستقبال العاملات الأجنبيات. أرفض عنصريتهم بالطبع، لكن يستوقفني توقع المناضلين ضد هذه العنصرية أن يتضامن معهم من هم أساساً غير قادرين على دخول هذه المسابح. يستوقفني أن هذه العائلات التي تصطحب معها «خادماتها» ترضى بدفع مبالغ طائلة ليُسمح لها بالدخول إلى مساحات يفترض أنها عامة، ومتاحة لكل مواطن. أفكر هل كانت هذه العاملة تفضل الذهاب إلى البحر على الراحة في المنزل؟ هل يحضرونها معهم كدليل على عاطفتهم وإنسانيتهم، أم لتهتم بأولادهم فيرتاحون قليلا من «نقّهم» وصخبهم؟
الذهاب إلى البحر في لبنان ليس مكلفاً على الجيــبة فقط. المكلف أكثر ذلك الإصرار المستمر على مواكبة أسلوب حياة مصطنع تحتــكره فئة ضيقة. فئة، لسبب تجهله، تفرض عليك مجاراتها، رغبةً منك ربمـا بالوصول إلى مستواها أو حتى تقليدها، لتتحول بذلك متعة الذهاب إلى البحر إلى متعة الدخول إلى النادي الضيق لهذه الفئة، متناسياً أن هذا البحر لنا جميعاً، ولسنا مجبرين على التهرب منه بشتى أنواع الحجج والذرائع.
لم تنفع الذرائع هذه المرة. استسلم لجهود الأصدقاء الذين اقتادوني معهم مجبراً. أتحسس آخر ورقة من فئة الخمسين ألف ليرة في جيبي، محضرا نفسي لوداعها. في راديو السيارة، يغني الشيخ إمام: «البحر بيضحك ليه؟»، فأجيبه متمتماً: «يضحك على غبائنا.. على الأرجح».

