المجتمـع المـدنـي ينتصـر: إلغـاء «فحـوص العـار»

عبّر وزير العدل شكيب قرطباوي لـ«السفير» عن اعتقاده بأنه «لن يصار في لبنان بعد اليوم إلى إجراء فحوص الشرج التي يمكن إجراؤها لمثليي الجنس»، أو ما أسمته «المفكرة القانونية» في ندوتها في أيار الماضي، «فحوص العار». وجاء تأكيد قرطباوي إثر استفساره عن الكتاب الذي وجهه إلى النيابة العامة التمييزية بتاريخ الحادي عشر من آب الماضي، يقترح عليها من خلاله «إصدار تعميم جــديد يمنع بصورة جازمة إجراء مثل هذه الفحوص، وتعمـــيمه على جميع النيابات العامة بأقصى سرعة ممكنة»، وفق الكتاب الذي حصلت «السفير» على نسخة منه، ونشرته «المفكرة» على موقعها الإلكتروني.
وأكد وزير العدل أن قراره نابع من قناعته بأن الفحص مخالف لحقوق الإنسان، خصوصاً بعدما أكدت «نقابة الأطباء» عدم جدواه الإثباتية والطبية، وبعدما أصدرت تعميماً منعت فيه الأطباء من إجرائه تحت طائلة إحالة الطبيب المخالف إلى المجلس التأديبي.
وأشار قرطباوي إلى أن النيابة العامة التمييزية ليست ملزمة بكتابه و«لديهم استقلاليتهم، ولكنهم يستمعون لنا». وذكر بالكتاب الذي كان النائب العام التمييزي السابق سعيد ميرزا قد عممه على النيابات العامة في لبنان يطلب فيها التشدد بإجراء الفحص، وبالمادة 343 من قانون أصول المحاكمات المدنية التي تنص على أنه «يجوز أن يتناول التحقيق الفني اتخاذ إجراء على جسم الإنسان (كفحص الدم مثلاً)، شرط أن لا يكون مخالفاً لقواعد الفن أو مفضياً إلى ضرر مهم». وتشترط المادة موافقة صاحب العلاقة على الإجراء مع إعطاء الصلاحية والحق للمحكمة، أن «تستخلص من رفض أحد الخصوم لهذا الإجراء قرينة لها على صحة الحالة أو الواقعة المطلوب إثباتها».
وكان كتاب القاضي ميرزا الصادر في 9/7/2012، قد أثار موجة من الاعتراضات والرفض وسط ناشطي ومنظمات المجتمع المدني والداعمين لحقوق الإنسان والإعلام كونه لم يمنع فحوصات الشرج، أو العار، بل أوعز إلى النيابات العامة «إعطاء التعليمات لعناصر الضابطة العدلية بضرورة أخذ موافقة المشتبه به بواقعة مثليي الجنس ووفقاً لقواعد الأصول الطبية بشكل لا يفضي إلى ضرر ما».
وأشار الكـــتاب إلى أنه في حـــال رفـــض المشتبه به الخضـــوع للفحص يتم إفـــهامه أن «يستخلص من رفضه قــرينة على صــحــة الواقعة المطلـــوب إثباتها»، أي إثــبات مثليته وفقاً للتهمة الموجهة إليه.
وعلمت «السفير» أن النيابة العامة التمييزية قد حضّرت أخيراً تعمــيمها إلى النيابات العامة في لبنان بما يتناسب مع روحية كتاب وزير العدل و«نقابة الأطباء» الرافـــضة للفحوص، على أن يجري تعميم الكتاب في أقرب وقـــت ممكن. ولكن النائب العام التمييزي بالإنابة القاضـــي سمير حمود أكد لـ«السفير» أن النيـــابة العامة التمييزية قد «قامت بما يجب أن تقوم به، ولكنه ليس موضوعاً للنشر في الإعلام».
وبذلك تكون «المفكرة القانونية» التي فجرت قنبلة انتهاكات «فحوص العار»، وحولت المطالبة بإلغائها إلى قضية مدنية مطلبية وأساسية، قد وصلت إلى الخواتيم الحقوقية اللازمة والبديهية. وينسجم أداء «المفكرة» مع روحية أهدافها، ومنها «اعتماد نظرة نقدية تجاه المادة القانونية، والعمل على تعريتها كلما وجدت فيها أداةً لتحقيق هيمنة سلطة أو طبقة معينة على فئات أو طبقات اجتماعية أخرى»، كما أكد مؤسسا «المفكرة» المحامي نزار صاغية والباحث القانوني سامر غمرون، في مقالهما «المفكرة القانونية كما ترى نفسها».
والأهم هو أن الإنجاز يحتسب للمجتمع المدني برمته، ويؤكد، في هذا الوقت العصيب بالذات، الذي تمر به البلاد، والغارق في العصبية، إمكان أن «نبني عليه في اتجاه مزيد من التسامح والاحترام المتبادل»، وفق فريق عمل «المفكرة». وردت «المفكرة» نجاح الحملة وتحقيقها أهدافها إلى التعاون المثــمر بين «المفـــكرة» والإعلام المكتوب والمرئي ومكونات المجـــتمع المـــدني وفي مقدمها «جمعية حلم» و«نقابة أطباء بيروت».
وأكد الوزير قرطباوي لـ«السفير» أن التوجه يشمل أيضاً فحوص العذرية الخاص بالسيدات، مشيراً إلى أنه لن يتم اللجوء إليه إلا في الحالات الضرورية ومنها الحاجة إلى إثبات قرينة الاعتداء أو الاغتصاب.

محطات القضية

في استعادة لتجربة النقاش العام الذي فتحته «المفكرة»، وأنتج معركة مدنية بامتياز في وجه السلطات المختصة على مدار أربعة أشهر، يمكن القول إن القضية بدأت إثر إجراء فحص شرجي لثلاثة شبان أوقفوا في نيسان الماضي في سيارة قرب منزل النائب وليد جنبلاط في كليمنصو وسيقوا إلى مكتب حماية الآداب العامة بإشارة من النيابة العامة في بيروت، من دون أي شبهة سوى أن ملامح أحدهم «ناعمة». وعليه، خصصت «المفكرة القانونية» ندوتها الشهرية في 23 أيار الماضي حـــول الفحـــوص ووصفتها مع فحوص العذرية بـ«فحوص العــار». وواكب الإعلام المفــكرة في طرح القضية على نطاق واســع.
ولكن نشاط المجتمع المدني لم يردع السلطات حتى تلك اللحظة. وعليه، تم في 28 تموز الماضي توقيف 36 شخصاً في «سينما بلازا» في برج حمود وإخضاعهم للفحوص الشرجية في انتهاك جماعي لأجسادهم وحقوقهم كبشر. وعليه خرجت إحدى المحطات التلفزيونية في نشرتها المسائية الأساسية بمقدمة عنونتها «جمهورية العار» تيمناً بتوصيف «فحوص العار» وعرضت خلالها للفحوص كانتهاك صريح لبديهيات حقوق الإنسان.
من جهتها، دعت «جمعية حلم» إلى اعتصام أمام «نقابة الأطباء» والسير به إلى قصر العدل، للمطالبة بإلغاء الفحوص. ونفذت «حلم» اعتصامها أمام وزارة العدل بعدما أصدرت «نقابة الأطباء» تعميماً في 7/8/2012، منعت فيه الأطباء من إجراء الفحوص الشرجية استجابة للكتاب الذي وجهته «المفكرة» إلى وزير العدل و«نقابة الأطباء» بتاريخ الأول من شهر آب المنصرم.
واعتبرت «المفكرة» في كتابها أن «الاستمرار بهذا الإجراء يشكل انتهاكا جسيماً لحقوق الأشخاص الذين يتم إخضاعهم له وممارسة مهينة ومحطة من قدرهم وتعذيباً بمفهوم معاهدة مناهضة التعذيب، فإنه بات ثابتاً أنه مجرد من أي إثبات. وأكدت أن هذا الأمر «يفرض على نقابتكم إصدار تعميم فوري إلى أعضائها (وبوجه خاص الأطباء الشرعيين). وواجبكم هنا إنما هو مستمد من واجب الإشراف على الآداب الطبية وفي مقدمها وجوب امتناع الطبيب عن أي عمل من شأنه انتهاك خصوصية شخص معين أو إخضاعه للتعذيب أو لأي معاملة محطة أو مهينة، وفي مطلق الأحوال عن أي عمل ليس له أي ركيزة علمية».
في الوقت نفسه نشرت «المفكرة» تعميم النيابة العامة التمييزية الذي لم يلغ الفحص، بل شدد على أخذ موافقة المشتبه به وإعلامه باستعمال رفضه، في حال الرفض، كقرينة لإثبات التهمة، مطالبة وزير العدل بوضع حد لما أسمته «التناقض الحاصل بين تصريحاته الرافضة للفحوص، وحقيقة موقف وزارة العدل والنيابات العامة من القضية».
  

السابق
زواج ثـلاثـي!
التالي
ميقاتي: علاقتي مع بري ممتازة واذا اختلفنا في الصباح نتصالح في المساء