قمّة الانحياز

طبيعي جداً أن ينحاز الرئيس المصري الى شعب سوريا ضد جلاّديه في قمّة عدم الانحياز.. لا تحتمل هذه الجمعية السياسية التي وُلدت في زمن الحرب الباردة ومرحلة التحرر من الاستعمار المباشر والمقنّع، أن تبقى أسيرة التناقض الجميل في شعارها، وأن يبقى مضمونها غير ظاهرها.
هي في الأصل قامت لتمثّل أنظمة وحركات تحررية واستقلالية رُكنت وفق ميزان البدايات، في خانة اليسار العالمي، أياً كانت تلاوين أقطابها ومؤسّسيها، وأياً كانت جرعات الوطنية الخاصة عند بعضهم زائدة عن الحدّ المعتاد في تلك الآونة.. آونة شعارات التضامن الأممي العابر للحدود والكيانات، ومحاولة طمس الخصوصيات الإثنية والطائفية والطبقية(!) في ظل ضجيج المواجهة المفتوحة مع الامبريالية العالمية ممثلة بـ"الأميركي البشع"!.
زمن طوباوي. حاول بعض أهله الابتعاد شكلاً عن حدّة الاستقطاب في الحرب الباردة، لكنهم عملياً، كانوا منحازين الى جهة منها، وجدت فيهم ووجدوا فيها مجالاً رحباً لتبادل مصالح في السياسة والتنمية والنفوذ، وهو تبادل بدا حينها مُنصفاً للطرفين، في حدود التحرر من نفوذ غربي احتلالي مباشر في أمكنة، وغير مباشر في أمكنة أخرى، أي من خلال أنظمة خدماتية اعتمدت على الأمن لبسط سلطتها، وعلى الكومبرادورية لتأمين عيشها واستمرارها.
كانت مفارقة في الأساس، أن تستمر هذه الجمعية الفضفاضة على قيد الحياة بعد موت الحرب الباردة وانقلاب الدنيا باتجاه واحد. وبعد انتهاء معظم الاحتلالات المباشرة من آسيا الى افريقيا الى أميركا الوسطى واللاتينية.. وكانت مفارقة بعد ذلك، أن يبقى جسمها ينبض رغم انقطاع رأسه(؟) مع انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي وتوابعه في ما يُسمّى المعسكر الاشتراكي.
وكانت مفارقة أكبر أن تبقى "الفكرة" في مكانها رغم تغيّر زمانها واضمحلال روحها تحت وطأة القوميات والعصبيات الطائفية التي انتعشت بعد كبتها القسري في ديكتاتوريات الحزب الواحد والقائد الواحد، وتحت لافتة "الاشتراكية العلمية". وبعد تغيّر أنماط الانتاج والاقتصاديات وازدهار ليبرالية السوق بعيداً وبعيداً جداً عن "وحدة عمّال العالم"!.
في الآني والسريع، كان غريباً أن تلتئم تلك الجمعية ولا "تنحاز" الى جزء من روحها الباقية. أو أن لا تستعيد الجزء الأهم من تراثها طالما أصرّت وتصرّ على استعادة شكلها المبهرج والاحتفالي، أي كان غريباً أن لا تنحاز الى الضحية في مواجهة الجلاّد، والى الحرية في مواجهة الاستبداد. وأن لا توحّد صوتها ضد آخر أشكال العسف والقمع والوحشنة في عالم اليوم المتمثّل بنظام الأسد.. وكان غريباً أن لا تقول جماعياً ما قاله فردياً الرئيس المصري وغيره عن سوريا، عن شعبها الثائر والمظلوم، وعن نظامها غير الشرعي والظالم.
أرادت إيران من القمّة "صورة" اجتماعها في طهران، تاركة روحها ترفرف بعيداً مع أرواح أقطابها الأوائل، من عبد الناصر الى تيتو الى نهرو.. ومكتفية بالغُرم القائل إنها ليست معزولة في هذا العالم، فيما واقع الحال غير ذلك والقمة ذاتها مثال: جلّ الضيوف في مكان، والمضيف في مكان آخر. 
 

السابق
القوات ضد القوات
التالي
الحياة اليومية في مقاومة حزب الله