يُجمِع المراقبون على أنّ قمّة حركة عدم الانحياز التي ستنعقد في طهران اليوم تتميّز بسمات ثلاث ستكون لها انعكاساتها المؤثّرة في مسار الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية في ضوء النتائج التي ستسفر عنها هذه القمّة.
أولى سمات قمّة طهران، أنّها قمّة إعادة تأسيس كتلة دولية واسعة في ظلّ تَشَكُّل نظام عالمي جديد يقوم على أنقاض نظام القطبة الأحادية الأميركية. وفي هذا الإطار تتمحور هذه الكتلة العالمية حول أفطاب إقليميّين كإيران والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، وهي بحقّ قمّة عدم الانصياع للهيمنة الأميركية أكثر ممّا هي قمّة عدم انحياز، لأنّ العالم لم يعد منقسماً بين قطبين حتى تقوم حركة عدم انحياز بينهما، وعدم الانصياع للهيمنة الأميركية هنا يتجلّى في تلبية الدول دعوة طهران التي تواجه منذ عقود حرباً أميركية تتصاعد يوماً بعد يوم وتستخدم كلّ نفوذ لها في العالم من أجل عزل إيران.
والسمة الثانية التي تميّز قمّة طهران هي حضور سوريا أبرز قضية في محفل دولي هو الأوّل من نوعه في نظرته المتوازنة إلى الأزمة السورية.
فبعد سلسلة المؤتمرات المختلفة العناوين والمتعدّدة الأمكنة التي انعقدت لإحكام العزل على النظام السوري، وبعد سلسلة من القرارات الدولية والعربية والإسلامية المتضمّنة إدانات للنظام السوري يأتي مؤتمر يضمّ ممثلي 120 دولة يشكّلون غالبية الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية ليناقشوا مبادرة إيرانية لحلّ الأزمة السورية على قاعدة الحوار الوطني الداخلي السوري، وهي المبادرة المرتكزة أيضاً على مبادرة الرئيس المصري محمد مرسي في "قمّة التضامن الإسلامي" الأخيرة في مكّة التي دعا فيها إلى تشكيل لجنة اتّصال في شأن سوريا، تتكوّن من أربع دول، ثلاث منها كانت مستبعدة عن اجتماع جنيف الذي دعا إليه الموفد الأممي السابق كوفي أنان ليستقيل بعده.
أمّا السمة الثالثة البالغة الأهمّية لقمّة طهران فتكمن في حضور الرئيس المصري فيها، وهو القادم من الصين بعد زيارة ناجحة حافلة بالتزامات صينية باستثمارات كبرى في مصر تحرّرها من قبضة المساعدات الأميركية المحدودة الحجم وغير المحدودة التأثير.
الحضور المصري إلى طهران بهذا المستوى منذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية قبل 33 عاماً سيترك بلا شكّ آثاره في تطبيع العلاقات بين قطبين إقليميين كبيرين شاءت الأقدار أن تباعد بينهما لعقود طويلة. فحين كان عبد الناصر في مصر كان الشاه في إيران وكان الخلاف مستعراً بين البلدين.
وحين وصل الإمام الخميني وبعده الإمام الخامنئي إلى سدّة القيادة في طهران كان أنور السادات وبعده حسني مبارك حاكمين في مصر ويحرسان سياسة العداء لإيران تنفيذاً لإملاءات أميركية.
وشاءت الأقدار مرّة أُخرى أن يكون محمد مرسي ابن جماعة "الإخوان المسلمين" المعروفة بخلافها مع عبد الناصر هو الذي يقود سياسة "التطبيع" مع إيران الثورة منفّذاً بذلك سياسة جمال عبد الناصر الذي دعم الإمام الخميني منذ أوائل الستينيات في انتظار أن تنتصر ثورته وتعود إيران إلى موقعها في معاداة الصهيونية.
وحضور مرسي قمة طهران وتسليمه رئاستها للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أثار من التأويلات والتفسيرات والتوقعات ما لم تُثره أيّ زيارة أُخرى لأيّ مسؤول.
ففي حين يصرّ البعض على التأكيد أنّ مرسي سيمضي ساعات قليلة في طهران، يلقي خلالها كلمته في جلسة افتتاح قمّة عدم الانحياز ثمّ يمضي من دون اجتماع مع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد علي خامنئي، يعتقد البعض الآخر أنّ زيارته ستنطوي على تفاهمات يكون المعلن منها أقلّ بكثير من غير المعلن.
ويرى هؤلاء أنّ هذه الزيارة ستتوّج علاقات تحرص إيران منذ فترة على نسجها مع "الإخوان المسلمين" في كلّ أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي، لا بل إنّ البعض يوحي بأنّ في البنود غير المعلنة للمبادرة الإيرانية تفاهماً مع القيادة السورية على أن يكون "الإخوان المسلمون" جزءاً من الحوار والحلّ في سوريا بدلاً من سياسة الإقصاء المتبادل المتّبعة حالياً.
وتكتسب زيارة مرسي إلى إيران أهميتها أيضاً في أنّها تساهم في إطفاء الحريق المذهبي الذي تسعى جهات إسرائيلية وغربية وإقليمية إلى صبّ الزيت عليه لكي يلتهم المنطقة بأسرها، فحين تتفاهم القاهرة وطهران فإنّهما تنقلان العلاقة بين السُنّة والشيعة من مرحلة التصادم التي تسعى أطراف كبيرة إلى إزكائها إلى مرحلة من التكامل تُدخل ارتياحاً إلى النفوس والمجتمعات معاً.
ويقول بعض المراقبين إنّ الرئيس المصري قد أبدى استقلالية واضحة في وجهته نحو الشرق، وإنّه ردّ بطريقة غير مباشرة على تصريحات الناطقة باسم الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند حيث قالت إنّ مرسي قد سحب دعوته إيران لكي تكون عضواً في لجنة الاتصال حول سوريا، فإذا بمرسي يردّ من بكين بأنّه سيدعو أيضاً الصين روسيا للانضمام إلى هذه اللجنة بكل ما تعنيه هذه الدعوة من توازن يحرص الرئيس المصري على اعتماده.
كما أنّه يظهر إرادة مصرية بالإعلان عن أنّ عصر الانصياع للإملاءات الأميركية قد انتهى في مصر، وإذا كانت السياسة الخارجية المصرية الجديدة تحرص على احترام علاقاتها والتزاماتها مع الجميع، فهي تحرص أكثر على كرامة مصر وسيادتها.
ويشير المراقبون إلى أنّ انزعاج واشنطن من زيارة مرسي إلى بكين والاتّفاقات التي عقدها معها لا يقلّ أبداً عن انزعاجها من تطوّر العلاقات المصرية ـ الإيرانية في اتّجاه إيجابي فهي تدرك تماماً معنى أن تسير مصر في خط جديد، لأنّ أيّ زلزال يصيب سياسة مصر الخارجية ستكون له ارتدادات في عموم المنطقة العربية والإسلامية وصولاً إلى السواحل الجنوبية من القارة الأوروبية.
وبهذا المعنى يمكن لقمة طهران أن تكون نقطة تحوّل في مسار متدرّج يعيد الاعتبار لمؤتمر باندونغ عام 1955 ولمؤتمر حركة عدم الانحياز في بلغراد 1961، ويثأر لكل قادة هذه الحركة الذين واجهوا اغتيالات وانقلابات وحروباً شملت آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وصولاً إلى يوغوسلافيا لكي تعيد واشنطن إحكام سيطرتها على العالم.

