«ثمة استخفاف بالمصير يسود تفكيرنا وسلوكنا. ومن مظاهر هذا الاستخفاف الاستسلام للعجز والتناحر والفوضى، في وقت نحن احوج ما نكون فيه إلى القوة والوحدة والنظام».
قسطنطين زريق
(1956)
هل انتهى مفعول سياسة النأي بالنفس التي كانت تهرباً من المسؤولية أكثر منها تحييداً للنفس حيال ما جرى ويجري من مجازر وأعمال قتل وتدمير في سوريا منذ أكثر من سنة ونصف السنة؟
فإدارة الظهر لما يجري في سوريا لم يكن له ما يبرره من الجانب اللبناني، خصوصاً ان إدارة الظهر هذه جعلت حدود لبنان مع سوريا سائبة، وسالكة وآفة لتهريب السلاح والرجال إلى داخل الحدود السورية، كما أتاحت انتشار الأسلحة وأدوات القتل بكثافة في أيدي اللبنانيين، خصوصاً في الشمال وفي طرابلس التي ضربها إعصار ناري أخيراً لم ينج منه حي من أحيائها، وسقط جراءه العديد من الضحايا البريئة.
وجاء ابتكار صيغة النأي بالنفس حيال المشهد السوري ليغطي الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي بإزاء موجة الاحتجاجات السورية التي تحولت إلى صدامات مسلحة جراء إنكار النظام وجود معارضة لها مطالبها والتعامل معها تالياً بالعنف وما لبثت هذه الصدامات ان تحولت إلى حروب صغيرة بفعل التدخل الخارجي تسليحاً وتمويلاً لفئات معارضة استرخصت الموت في سبيل إقامة حكم ديموقراطي ينبثق من إرادة حرة لم تعط فرصة للتعبير عن نفسها منذ أكثر من نصف قرن. وأياً تكن التبريرات التي قدمها النظام لاستعمال السلاح الثقيل في مواجهة المعارضة
المسلحة، فإن النتيجة هي واحدة: جيش يتواجه مع شعبه فيقتل من الطرفين سوريون في «مهرجان جنون».
ويا للأسف فإن سياسة النأي بالنفس والتلذذ بمشاهد جثث الأطفال والنساء والشباب والشيوخ داخل منازلهم أديا إلى ما يشبه المشاركة غير المباشرة بالمجازر.
ربما من أجل ذلك على الحكومة اللبنانية أن تأخذ المبادرة لإنهاء سياسة النأي بالنفس، مظهرة تعاطفها مع الشعب السوري، انطلاقاً من ترؤس لبنان لمجلس الجامعة العربية وان لفترة ستة اشهر. وهذا سيتيح للحكومة الانتقال من التعامي الغبي عما يجري في سوريا، والتصرف كأننا في أدغال الأمازون, إلى موقع المتعاطف مع الشعب السوري بكل فئاته والذي تنهمر دماؤه شلالات، فيما لبنان وعرب وعُربان كثيرون يتفرجون عليه ويهرجون بلا شفقة ولا رحمة.
وربما أفاد اليقظة الرسمية، حيال الوضع السوري، التذكير بالدور اللبناني التقليدي في الجامعة العربية منذ تأسيسها العام 1945، وهو دور الموفق والمقرّب بين الأفرقاء المختلفين، بدلاً من الوقوف على الحياد والتصرف كمندوب اليمن سابقاً.
ومن هذه الذكريات أدوار وزراء امثال فؤاد عمون وفيليب تقلا وسواهم، يوم كان العرب عندما يختلفون يلجأون إلى لبنان للتوفيق في ما بينهم.
ومثل هذه العودة إلى الدور اللبناني التوفيقي ربما يعبّر عنها موقف الرئيس ميشال سليمان من مقررات مؤتمر عدم الانحياز المنعقد في طهران والذي يتضمن فقرة تتعلق بسوريا تصلح للبناء عليها في تصحيح مسار مجلس الجامعة، برئاسة لبنان، وهو الذي أخذ منذ البداية، موقفاً غير متوازن من الأزمة السورية بتعليقه عضوية دمشق في المجلس، في حين كان عليه ان يؤدي دور الموفق بين النظام والمعارضة. وربما يصحح سليمان في طهران الموقف الذي اتخذه الرئيس نجيب ميقاتي في قمة مكة الإسلامية، بالموافقة على تعليق عضوية سوريا في المؤتمر الإسلامي، والذي قال إنه تشاور في شأنه مع الرئيس ميشال سليمان الذي لا يملك مثل هذه الصلاحية المنوطة حصراً بمجلس الوزراء مجتمعاً.
وكان تقزيم الدور اللبناني في الجامعة العربية، في ظل «الطائف السوري»، انعكاساً لغياب القرار اللبناني الحر ابان فترة الوصاية السورية على لبنان، والتحاق ديبلوماسيته بالديبلوماسية السورية. وهذا الأمر كان مفترضاً ان ينتهي في 26 نيسان 2005 مع انسحاب الجيش السوري من لبنان، لكنه استمر مع الفريق الحريري الذي حكم لبنان بعد تلك الفترة، ويا للاسف، في غياب التمثيل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا.
وإنعاشاً للذاكرة، خصوصاً لذاكرة الجيل الجديد، في شأن الدور الديبلوماسي اللبناني في الحقبة السابقة لأحداث السبعينيات وما تلاها، ننقل عن وزير الخارجية الأشهر في تاريخ الديبلوماسية اللبنانية الدكتور فؤاد عمون، انه كان مع الرئيس رياض الصلح في اجتماع الأمم المتحدة في باريس العام 1948، «وكانت حرب فلسطين على أشدها، وهي سجال بين العرب واليهود، تساند عصاباتهم القوى الاجنبية». وقد اجتمعت الدول العربية «وكان رياض الصلح اشبه برئيس لها جميعاً غير منازع. وكان مجلس الأمن سيجتمع في الغد، وامثل فيه أنا لبنان إلى جانب فارس الخوري مندوب سوريا، ومحمود فوزي نائب رئيس وزراء مصر (…) فإذا برياض الصلح يتقدم نحوي ويلقي بيده على كتفي، ثم يقول بهدوء وثقة: «تكلم غداً في مجلس الأمن أنت اللبناني مسيحي» (…) استغرب الجميع هذا الأمر لاول وهلة. وعلا صوت يهتف: كيف ذلك يا رياض الصلح؟ فأجاب رياض منوهاً بما يكون من الوقع لصوت وزير خارجية مسيحي يرتفع للدفاع امام الدول اللاتينية عن الأرض المقدسة. فأذعن الحضور».
وأضاف عمون: تكلمت بصفة كوني لبنانياً، عربياً مسيحياً. وكان للكلمة الأثر الذي توقعه رياض الصلح، وإذ التقى به رئيس مجلس الأمن جوزي أرسي بادره قائلا: «كدنا ندمع ونحن نستمع إلى مندوبكم». فأجابه رياض الصلح على الفور: «اننا لا نريد منكم دمعة تذرفونها، بل حقاً لن نرضى عنه بديلاً».
واختصر عمون، الأسس التي قامت عليها السياسة الخارجية اللبنانية في محاضرة له في الندوة اللبنانية، 25 كانون الثاني 1965، قال: «تلك نتفة من ذكريات تضيء مذاهب التاريخ. وقد تجلت فيها سياسة لبنان العربية بوجهيها المشرقين: استقلال راسخ في النفوس والعقيدة، تعاون عربي يستمد من هذا الاستقلال، روحه، ومضاءه، وجدواه». مشيراً إلى «ان حكام لبنان يجب ان يستوحوا مواقفهم وتصر فاتهم من هذه السياسة الأصيلة، ومنها أيضاً يقتبسون خططهم في مجال التعاقد الدولي من اجل المصالح العربية والقضايا العامة».
ولو عاش فؤاد عمون أكثر لكان علّمنا أكثر وأكثر، وقال معنا: «كفى تفرّجاً على مأساة شعب شقيق وقع في شرك لعبة الأمم. سوريا لست وحدك، وما يجري فيك كفر وجنون».

