على رغم كل التداعيات التي تتركها الأزمة السورية على لبنان وتشيع مخاوف كثيرة على أمن البلد واستقراره، فإنّ في مطاوي المواقف والتصرفات على جبهة القوى السياسية ما يشير إلى تهيّبها دخول البلاد في أي فتنة، لأنّ صورة الماضي بأحزانها ومآسيها ما تزال ماثلة في أذهان الجميع، ولا يريدون لها أن تتكرّر.
حتى انّ ما يحصل في طرابلس، وعلى رغم بشاعته وخطورته، ما زال في رأي سياسيين متابعين تحت السيطرة بما يحول دون حصول الفتنة التي يتخوف منها الجميع في عاصمة الشمال خصوصاً، وفي لبنان عموماً.
ويرى هؤلاء السياسيون أنّ الاصطفافات السياسية التي تحدثها الأزمة السورية على المستوى اللبناني هي صورة مصغّرة على الاصطفافات الكبيرة على المستويين الإقليمي والدولي، ولكنّها لن تتطوّر في تفاعلاتها ومضاعفاتها الميدانية عمّا هي عليه الحال السائدة حالياً، خصوصاً أنّ ما يصدر من مواقف عن القوى والعواصم الإقليمية والدولية، وما يسمعه المسؤولون من زوارهم الأجانب، يشدّد على وجوب الحفاظ على الاستقرار اللبناني على رغم ما يعتريه من هشاشة سببها المواقف السياسية الحادّة التي يطلقها هذا الفريق أو ذاك بفعل التأثر بعوامل الأزمة السورية والمواقف الدولية منها، وكذلك بفعل الرهانات على ما ستنتهي إليه هذه الأزمة سواء أكانت لمصلحة النظام أم العكس.
وفي قراءة هادئة للواقع القائم وما يمكن أن يؤول إليه، يقول سياسيون إنّ لا شيء سيتغير في مساره على رغم من مرارته، فكثيرون يشكون من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وبعضهم يريد لها السقوط والرحيل، فيما رئيسها يكابد كمَن يسير في حقل ألغام، مدركاً أنّ سقوط حكومته وصيرورة البلد إلى الفراغ سيرتّبان مضاعفات كثيرة وخطرة على البلاد، وكذلك على مستقبله السياسي، لأنّ هناك استحالة في تأليف حكومة جديدة تحت وطأة الانقسام الحاد الذي تعيشه البلاد.
ولو أنّ الوضع العام طبيعي، لكان ميقاتي بادر إلى الاستقالة من تلقائه، وهو عبّر عن ذلك في مناسبات كثيرة ولا يزال، مؤكّداً أن لا مانع لديه من الاستقالة إذا اتّفقت القوى السياسية على تغيير الحكومة، سواء على طاولة الحوار أم خارجها.
لكنّ كبارا وأقوياء من أهل السياسة والذين يملكون الحل والربط في مستقبل البلد، يجزمون في مجالسهم الخاصة بأنّ الحكومة الميقاتية باقية حتى استحقاق الانتخابات النيابية في حزيران من السنة المقبلة، بغضّ النظر عمّا ستؤول إليه الأزمة السورية، وهذا الموقف يُعمّمه هؤلاء على قواعدهم السياسية والشعبية معلّلاً بأسباب موجبة لعل أبرزها أنّ البلاد لا يمكن أن تتحمّل فراغاً حكومياً، وأنّ المصلحة القصوى تقضي باستمرار الحكومة على رغم رداءة أدائها الذي لا تتحمّل هي المسؤولية عنه وحدها، وإنّما الواقع السياسي الذي تعيش فيه أيضاً، خصوصاً أنّ الحملات تشنّ عليها منذ أن صدرت مراسم تأليفها، بل منذ تسمية رئيسها.
ويرى هؤلاء السياسيون الكبار أنّ بقاء الحكومة يشكّل عنصراً من العناصر الأساسية للاستقرار المطلوب دولياً الحفاظ عليه، ربما لاعتبارات تتّصل بالأزمة السورية، حيث تتقاطع على وجوبه القوى الدولية المؤيدة للنظام السوري والمعارضة له على حد سواء.
ومن عناصر الاستقرار الأساسية أيضاً أنّ القوى السياسية الكبيرة والفاعلة في لبنان تريد هذا الاستقرار وتتمسّك به بشدة لإدراكها أنّ الفتنة تصيب منها مقتلاً، وتأخذ البلاد إلى وضع خطير لا تُحمد عقباه، حتى على مَن يفكر للحظة أنّ في هذه الفتنة أو التدهور الأمني ما يمكن أن يخدم مشاريعها السياسية التي تعوّل أو تراهن على ما يجري على الساحة العربية عموماً، وفي سوريا خصوصاً.
ومن عناصر الاستقرار أيضاً وأيضاً، حسب السياسيين انفسهم، أنّ هناك اقتناعاً لدى جميع القوى السياسية أنّ ما ستنتهي إليه الأزمة السورية أيّاً كانت طبيعته لن يغيّر في موازين القوى الداخلية ما لم تطرأ أيّ عوامل خارجية تحاول إحداث اختلال في هذه الموازين، وهي محاولات قد لا تنجح إن حصلت، لأنّ هناك سابقات في هذا المجال.
والشيء الوحيد الذي يمكن أن يثير الخوف على الاستقرار قد ينتج من احتمال إقدام إسرائيل على عمل عسكري في لحظة ما، ضد حزب الله أو ضد إيران وسوريا وعندها سيكون الاستقرار كلّه في المنطقة عرضة للخطر وليس في لبنان وحده.

