لا أعرف إن كانت هناك حكمة أو سلطة أو مافيا، تتحكّم بالمادة التي تتولّاها وسائل الإعلام. هناك عُرفٌ ملعون يسمّونه «السحب من التداول». وعلى سبيل المثال، سحب قصة المولوي أو قضيته من التداول، وسحب قضية الأملاك البحرية من التداول، وعلى هذا نقيس الباقي. عملية السحب الأخيرة كانت «التطنيش» عن التصريح الذي أدلى به «السيّد» مصطفى علّوش ـ وليعذرني إن كنت لا أعرف كيف أسمّي المسؤوليات التي يتولّاها في «تيار المستقبل» أو في «14 آذار» أو غيرها. ما يهمّني فقط التصريح الذي أدلى به، وأشارت إليه وسائل الإعلام كخبرٍ مرّ ـ مع الأسف الشديد أو الحزن الشديد ـ من دون تعليق، بينما نعرف أنّ السياسيين في هذا البلد يعلّقون على عطسةٍ تصدر من أيّ شخصٍ ينتمي إلى فريق «8 آذار».
«السيّد علّوش» قال ما معناه أن قطر والسعودية وسورية لاعبات أساسيات في أحداث شمال لبنان. وكما يقول خطباء هذه الأيام: «ونقطة على السطر».
نحن ضدّ أيّ تدخّل خارجي مهما كان ومن أيّ جهةٍ جاء. ومع ذلك، يمكن أن نفهم التدخّل السوري ـ هذا إن كان حقيقياً وصحيحاً ـ من دون أن نتبنّاه أو نبرّره، من منطلق الجوار وتداخل الحدود والقرى المشتركة والأراضي الزراعية المتداخلة بين لبنان وسورية، وكذلك المصالح والعشائر، ولكن كيف نفهم التدخّل القطري والسعودي ـ بغضّ النظر عن صيغة ذلك التدخل وشكله؟ سورية، يمكن القول – مجرّد يمكن ـ إن لديها مصالح. ولكن ما هي مصالح قطر والسعودية؟ وليس لهما مع لبنان حدودًا مشتركة وليس هناك مزارعون وتجّار يتنقلون عبر تلك الحدود.
الحقيقة أنني لا أريد أن أناقش في هذه الزاوية طبيعة التدخّل القطري والسعودي، ذلك مكانه المحافل السياسية أو حتّى الحزبية، لكنّني أريد أن أستفهم وأستعلم: لماذا غاب تصريح «السيّد علّوش» وسُحب من التداول من دون أن يحظى بتعليقٍ من «أراخنة» السياسة في هذا البلد المنكوب بكثرة سياسييه؟ ما قاله «السيّد علّوش» يستحقّ أكثر من تعليق، يستحقّ الدراسة، ليس لأنه صادر من أحد أركان «14 آذار» فحسب، بل لأنه صادر من رجلٍ كانت له مواقف مغايرة ومناقضة تماماً لطبيعة ما أدلى به أخيراًَ.
ولن أناقش قناعات الرجل وهو حرّ بها، لكنني أتساءل عمّا إذا كانت هناك مافيا للنشر أو للسحب من التداول. فهل يقوم في قطر أو السعودية من يردّ على «السيد علّوش» ويقول: «من بيت أبي ضُربت!»؟
الأمر لا يختلف في مدلولاته البعيدة عمّا ينشر عن أحداث طرابلس. كثيرة هي التصريحات الطنّانة التي يقول مطلقوها ألا غطاء على حَمَلة السلاح، ولا غطاء على مثيري الشغب، وإنّ الغطاء السياسيّ معطى بالكامل للجيش اللبناني، لكنّنا نلاحظ أنّ هناك خيوطاً أو حبالاً تُشدّ بالجيش وتَحدّ من اندفاعه كلّما أراد أن يفرض القانون، كما نلاحظ التوسّع في انتشار حَمَلة السلاح علناً بعد أن كانوا يتستّرون بالأقنعة السوداء. فمن نصدّق؟
نعم، من نصدّق؟ عنوان هذه الزاوية: مجنون يحكي وعاقل يسمع، فهل يمكن لعاقلٍ أن يصدّق ما يسمع؟!

