ومَنْ يقطع اليد المخلّة بالأمن؟

إن التدهور السريع الحاصل في المشهد اللبناني ينقله من مجرّد ساحة مفتوحة إلى «العصفورية» التي اتفق على توصيفها رئيسا الجمهورية والمجلس النيابي، حيث الفوضى الأمنية في «حارة كل مين إيدو إلو» لم تكن قط بهذا الشكل العلني، والذي يستخف بالدولة وسائر مقوماتها، من قوى عسكرية ومرجعيات سياسية، محاولاً خطف استقرار الوطن واللبنانيين في الخارج على حد سواء، وليس فقط الاكتفاء بهم كرهائن للمبادلة مع ابنائنا المخطوفين في سوريا.
لقد أثار الظهور المسلح العلني صدمة واستياء عند الرأي العام بحجم الغضب الذي استفز اللبنانيين بجميع أطيافهم بسبب اختطاف مجموعة من مواطنيهم في الأراضي السورية، بغض النظر عن الجهة الخاطفة أو دوافعها… فمحاولة زج لبنان بتركيبته الطائفية المهزوزة، واستقراره الهش باتت واضحة وسهلة بعد التجاوب الداخلي.

بل إن استرسال البعض في ردود الفعل وإسقاطها بشكل عشوائي على الجهات الخارجية، بصرف النظر عن إمكانية تأثيرها في هذه القضية المحقة أم لا، مما وضع استقرار الجالية اللبنانية في الخليج ومصالحها على المحك، في محاولة جديدة للتأكيد أنه بالإضافة الى قرار الحرب والسلم، فان القرار الدبلوماسي بات رهينة في أيدي من يملك السلاح، وليس على الدولة إلا التفرج والتعلم كيف تعالج الأزمات بالقوة!.
أما أن تواجه محاولات رئيس الجمهورية في إنقاذ ما تبقى من هيبة الدولة عبر الدعوة لإصدار استنابات قضائية ضد المخلين بالأمن، تأكيداً على أن آل المقداد ليسوا جميعاً جناحاً عسكرياً للعشيرة، إضافة إلى ضبط الإعلام حتى يلعب دوره بموضوعية ومسؤولية في هذه الظروف الدقيقة… أن يواجه بحملة منظمة ضده، فهو أمر مستهجن في توقيته وأهدافه. وإذا كان المطلوب النأي بالنفس عن الاعتداءات التي تقع باستمرار على القرى الحدودية ويدفع ثمنها المواطنون الآمنون من أرواحهم وأرزاقهم، فهذا يسمى نأي بالنفس عن المسؤولية، والأفضل حينها أن تعطى هذه الأخيرة لمن هو قادر على تحملها بكل تبعاتها وبكل الشجاعة والحكمة المطلوبة لمواجهة الواقع الدقيق!.

أما السؤال الملح الذي يشغل اللبنانيين منذ فتح جبهة الشمال لتضاف على المشهد الفوضوي السائد، هو متى يرفع الغطاء عن المتلاعبين بأمن طرابلس وأبنائها، ويعطى الجيش الضوء الأخضر الفعلي لإمساك الأمن، وهو الخط الأحمر، بيد من حديد ومن دون مساومات أو مفاضلات؟.
هل ننتظر حتى يفلت الزمام وتخرج الجماعات المخلة عن السيطرة، كما أعلن سابقاً السيّد نصرالله، مما يعطيها هامشاً للتحرك، من دون وصاية ولا مونة من المرجعيات الروحية والطائفية المعروفة؟.
مهما حاول البعض إلقاء المسؤوليات يميناً ويساراً، تارة على رئيس الجمهورية، وطوراً على إعلام استغل غياب الدولة، وهو القضية المحورية، للقيام بمبادرات لربما خرجت عن الممارسات المألوفة، أو حتى على قيادات 14 آذار، الموجودة في الداخل أو الخارج.

فان خلاصة القول تبقى «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» ولا يحاولنّ أحد تحويل المسؤوليات إلى مواسم، تُؤخذ عند القطاف، وتُهجر عند الفلاح والعمل!.
يجدد اللبنانيون يومياً تعاطفهم العميق مع الشعب السوري الشقيق في محنته، وأمنياتهم بإنهاء هذه الأزمة بأسرع وقت وأقل خسائر ممكنة… إلا أن الوطن خط أحمر… بأمنه واستقراره ووحدة شعبه… ولكم تمنينا أن يكون الرئيس برّي واضحاً وحازماً، وأكثر شمولية بقطع اليد التي تمد، ليس على طريق المطار فحسب، بل على أمن البلاد والعباد وسلمهم الأهلي!.  

السابق
عضَّ ثعباناً حتى الموت
التالي
اسرائيل تخدع الإدارة الأميركية في شأن مهاجمة إيران !!