يُشكل الموقف الاميركي نقطة تحوّل رئيسة في مسار القضية السورية. ففي الإقدام تأخذ الامور منحى، وفي الاحجام تتغير الامور رأسا على عقب.
يبدو انّ الجهات المعنية في المجتمع الغربي باتت تدرك انّ كل الضغوط التي مورست على المبعوث الاممي كوفي أنان لإدانة النظام السوري فشلت عندما استقال، ولم يسمع بعدها اي مواقف او تصريحات او رؤى حول طريقة التعاطي مع هذه الازمة التي بلغت حداً دموياً كبيراً، من دون أي اشارة في الافق الى وقف العمليات العسكرية او الحدّ منها.
الموقفان الوحيدان اللذان أُطلقا منذ استقالة عنان هما تصريح يتيم لوزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون، رأت فيه أنّ الاحداث في سوريا يجب الّا تنزلق الى حرب اهلية.
والموقف الثاني لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي خلال لقائه الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق يوم الثلثاء الفائت، الذي أكد "أن ما يجري في سوريا ليس قضية داخلية، وأن إيران لن تسمح بأي شكل من الأشكال بكسر محور المقاومة الذي تعتبر سوريا ضلعاً أساسياً فيه"، واعتبر"أن ما يجري في سوريا يراد من خلاله كسر محور المقاومة".
الموقف الايراني في المفهوم السياسي رسالة واضحة مفادها أن هذا المحور الذي يضم سوريا الى ايران اتخذ قرار الوقوف الى جانب الرئيس بشار الاسد، مع ما قد يترتب على ذلك من نتائج. وهو ما تلقّفه الجانب الاميركي سريعاً عندما اعلن جون برينان، احد كبار مستشاري الرئيس الاميركي لمكافحة الارهاب، أن "ليس مستبعدا في نهاية الأمر فرض منطقة طيران محظورة فوق جزء من سوريا".
المراقبون رأوا في تصريحات برينان رداً على مطالبة الجمهوريين المنتقدين لأسلوب الرئيس باراك أوباما في معالجة الأزمة السورية بتفويض دولي لفرض منطقة حظر الطيران، لمنع الطائرات الحربية السورية من القيام بعمليات فوق مناطق معينة، وكذلك بتسليح مباشر بدرجة أكبر لقوات المعارضة التي تسعى للإطاحة الأسد. وان هذا الموقف لا يستند الى مقومات عسكرية فعلية على الأرض، وبالتالي فهو زوبعة في فنجان، ولا يقدم أو يؤخر في مسار الاحداث.
ويقول المراقبون، في معرض تعليقهم على الموقف الاميركي، أن الادارة الاميركية تعاني حال انفصام في الموقف تصِل الى حد العدمية في التحرك وفي القرار.
فالبيت الابيض يعمل على سياسة متابعة الوضع في سوريا، وقد أعدّ لذلك مجلسا خاصا برئاسة مستشار الامن القومي توم دونيلون. وفي هذا المجلس، يجادل سفير الولايات المتحدة لدى سوريا روبرت فورد ويدافع عن وجهة نظره القائلة بوجوب تقديم مساعدات أكثر مباشرة إلى "الجيش السوري الحر".
في حين أن نائب وزيرة الخارجية بيل بيرنز ومستشار الاستراتيجيات الديبلوماسية فريدريك هوف يقفان الى جانب توثيق الاتصال مع الفصائل الإسلامية المعارضة العاملة في إطار "المجلس الوطني السوري"، وفي الوقت نفسه اعتماد الاستراتيجيات التركية الداعمة له.
ولعلّ تعليق وزير الدفاع الاميركي ليون بانيتا في 30 تموز الماضي على عمليات الجيش السوري في حلب، بقوله إنها "ستكون في نهاية المطاف مسمارا آخر في نعش الاسد"، تعبيرا عن الإحباط الناتج عن فشل محاولة إقامة ملاذ آمن في مدينة حلب التي أحبطتها وحدات الجيش السوري المكوّنة من الفرقة 18 والفرقة 11 وبعض اجزاء الفرقة 14 مع دعم واسع النطاق بالمدفعية والغطاء الجوي.
ويهتم دونيلون في المقام الأول بـ"تغيير النظام" كجزء من سياسة الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل أو من دونه، بما يخدم عرقلة الاستراتيجية الايرانية في المنطقة. وهي سياسة خطيرة، اذا لم تكن مقرونة بقدرة على التحرك، كإقامة منطقة أمنية آمنة، أو فرض منطقة حظر جوي، او اعتماد سياسة مماثلة لتلك التي جرت في ليبيا أو في البوسنة. وخلاف ذلك، فإنّ الحرب ستستمر في سوريا، وفي نهاية المطاف، سيكون على الأقليات والسُنّة المعتدلين ان يكونوا أكبر الضحايا.
لقد كانت الولايات المتحدة تعمل بنحو غير رسمي وغير علني وبسرية ولبضعة أشهر منذ توقيع اوباما أمراً سرياً يجيز دعم الولايات المتحدة لمقاتلي المعارضة الذين يسعون لإطاحة الرئيس السوري وحكومته. وقد سمح قرار اوباما، على نطاق واسع لوكالة الاستخبارات المركزية وغيرها من وكالات الولايات المتحدة، بتقديم الدعم الذي يمكن أن يساعد المتمردين على اطاحة الأسد.
هذا القرار يتماشى مع مَيل الولايات المتحدة الى إشراك نفسها في كل نزاع مسلح تقريبا في العالم، بدرجات متفاوتة. وقد تمّ التشاور في هذا الموضوع مع قادة لجنة في الكونغرس في القطاع الخاص وفق ما يقتضي القانون، لكن البحث لم يتجاوز مشروع قانون تفويض حرب وشيكة، لأنّ ذلك يتطلب تغطية نفقات المشاركة في الاعتمادات الجارية.
قد يفترض البعض أن الولايات المتحدة لديها خطة لسوريا اذا سقط الأسد، لكن المراقبين يؤكدون انّ الجواب القصير، وفقاً لديبلوماسي اميركي، هو النفي.

